كتاب الوضع: مختصر في الأصول والفقه يحيى الجناوني أبو زكرياء

كتاب الوضع

الجزء ١ · صفحة ٣٥

كتاب

35

الوضع

تِيهِرْتَ تَعْتَمِدُ فِي قُوَّةِ الأَمْن الْجَيْش وَالشَّرْطَةِ إِلَّا عَلَى نُفُوسَةَ، وَكَذَا مَدَدُ الْعُلَمَاءِ الأَجِلاءِ، وَقَدِ اسْتُهِرَ عُلَمَاءُ نُفُوسَةَ بِطُولِ الْبَاعِ فِي الْعُلُومِ وَالتَّأْلِيفِ، وَامْتَلاتِ الْخَزَائِنُ فِي عُصُورٍ مَدِيدَةٍ بِمُؤَلَّفَاتِهِمْ فِي سَائِرِ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّفْلِيَّةِ والرياضيَّةِ، مَا يَصحُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا أَغْزَرُ مَادَّةٌ مِنَ الْأَنْدَلُسِ بِدُونِ مُبَالَغَةِ، لَوْ أَبْقَتِ الْفِتَنُ الْمُتَتَالِيَةُ عَلَى تِلْكَ الْمُؤَلَّفَاتِ لَاَزْدَهَرَتْ بِهَا الْخَزَائِنُ.

وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَ فِي شَأْنِهَا ابْنُ خَلْدُونَ: لَقَدْ تَرَامَتْ إِلَيْنَا فِي هَذَا الْعَهْدِ مِنْ تِلْكَ الْبِلادِ دَوَاوِينُ وَمُجَلَّدَاتُ مِنْ كَلَامِهِمْ، فِي فِقْهِ الدِّينِ وَتَمْهِيدِ عَقَائِدِهِ وَفُرُوعِهِ، ضَارِبَةٌ بِسَهُم فِي إِجَادَةِ التَّأْلِيفِ وَالتَّرْتِيبِ (1)

يبهر

وَلَمْ يَمُرَّ عَصْرٌ مُنْذُ الْقَرْنِ الثَّانِي لِلْهِجْرَةِ إِلَّا وَتَجِدُ مِنْ مُؤَلَّفَاتِ عُلَمَائِهِ مَا الْعُقُولَ، فَبَيْنَ أَيْدِينَا الْيَوْمَ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى تِلْكَ النَّخَائِرِ الْهَائِلَةِ، كَدِيوَانِ الأَشْيَاحَ الَّذِي أَلَّفَهُ سَبْعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَدِيوَانِ الْعَرَابَةِ الَّذِي أَلَّفَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُعْتَبَرُ دَائِرَةَ مَعَارِفَ فِقْهِيَّةٌ. وَنَاهِيكَ بِتَألِيفِ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَى تَحْرِيرِهِ هَذَا الْعَدَدُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَجِلاءِ، وَمِنْهَا الإِيضَاحُ الَّذِي هُوَ مُعْتَمَدُ الأَصْحَابِ فِي الْفَتْوَى بِالْمَغْرِبِ، إِذْ هُوَ كَثِيرًا مَا يَجْمَعُ الْفَرْعَ

وَأَصْلَهُ، وَقَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ لِلْعَلامَةِ الْمُجْتَهِدِ جَمَالِ الدِّينِ الشَّيْخِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى الْحِيطَالِيُّ، فَكُلٌّ مِنَ الْكِتَابَيْنِ فِي الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا مِنَ الإِجَادَةِ وَالتَّحْقِيقِ، وكُلٌّ مِنَ الْمُؤلَّفَيْنِ فِي الدَّرَجَةِ الْقُصْوَى مِنَ الْعِلْمِ وَالتَّحْقِيقِ وَالتَّدْقِيقِ

وَالإِجَادَةِ.

(1) [تَارِيحُ ابْنِ خَلْدُونَ، 170/ 3].