كتاب الوضع: مختصر في الأصول والفقه يحيى الجناوني أبو زكرياء

كتاب الوضع

الجزء ١ · صفحة ٣٦

كتاب

الوضع

فَبِلَادٌ نَبَغَ فِيهَا أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامِ لَجَدِيرَةٌ بِأَنْ تَكُونَ ذَاتَ شَعْبٍ عَظِيمٍ فِي مَوَاهِبِهِ الَّتِي أَفَاضَتْ بِهَا الْعِنَايَةُ الإِلَهِيَّةُ

وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسَةُ مِنَ الْعُمْرَانِ مَبْلَغَا عَظِيمًا مُنْذُ الْقَرْنِ الثَّانِي، وَيَبْدُو لِي أَنَّ الْهِدَايَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ الْكَامِلَةَ تَمَكَّنَتْ فِي نُفُوسَةَ مُنْذُ بِدَايَةِ الْقَرْنِ الثَّانِي، إِذْ رَأَيْتُ عِنْدَ زِيَارَتي لِتِلْكَ الْبِلادِ تَارِيخَ مَسْجِدِ الإِمَامِ أَبِي سَاكِن عَامِرِ بْنِ عَلِيٍّ السَّمَاخِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ أَقْدَمُ مَسْجِدٍ فِي الْجَبَلِ، وَهُوَ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ 109 مِنَ الْهِجْرَةِ. وَإِذَا كَانَ مَا حَوْلَ عَاصِمَةِ الْجَبَلِ - "شروس" كَمَا وَصَفَهَا يَاقُوتُ وَغَيْرُهُ -

مِنَ الْقُرَى وَالْعُمْرَانِ، فَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَظَمَةِ نُفُوسَةَ".

قَالَ يَاقُوتُ فِي مُعْجَمِهِ: "سروس" أَوَّلُهُ مِثْلُ آخِرِهِ، رُبَّمَا قِيلَ بِالسِّينِ الْمُعْجَمَةِ، مَدِينَةٌ جَلِيلَةٌ فِي جَبَلٍ نُفُوسَةَ مِنْ نَاحِيَةِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَهِيَ كَبِيرَةٌ آهِلَةٌ، وَهِيَ قَصَبَهُ ذَلِكَ الْجَبَلِ، وَأَهْلُهَا إِبَاضِيَّةٌ إِلَى أَنْ قَالَ: حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى نَحْوُ

ثَلائِمِائَةِ قَرية". اهـ

(1)

وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ نُفُوسَةَ بَلَغَتْ مِنَ الْعُمْرَانِ مَا كَانَتْ مُتَصِلَةَ الْقُرَى وَالْبُلْدَانِ، حَتَّى كَأَنَّهَا حَوْزَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيُحَقِّقُ هَذِهِ الرَّوَايَةَ مَا تَرَاهُ مِنَ الآثَارِ الْبَاقِيَةِ: قُرَى مُتَقَارِبَةٍ، وَمُدُنٍ مُتَتَالِيَةٍ، وَدَوحُ الزَّيْتُونِ كَأَنَّهَا لِتَقَارُبِهَا مُتَعَائِقَةٌ، وَكَانُوا يَنْحِتُونَ فِي الْحَجَرِ خَزَانَاتِ لِلزَّيْتِ، يَدَّخِرُونَهَا لِلتَّغْذِيَةِ فِي

بَحْرِ السَّنَةِ.

واعْتَبِرْ بِمَا دَوَّنَهُ الْبَدْرُ السَّمَاخِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَنَاقِبِ إِذْ يَقُولُ: احْتَوَى

(1) [يَاقُوتُ الْحَمَوِيُّ: مُعْجَمُ الْبُلْدَانِ، 217/ 3].