كتاب الوضع
الجزء ١ · صفحة ٣٨كتاب
38
الوضع
الأدباء بالنظمِ الْبَرْبَرِي إِلَى مَا بَعْدَ الدَّوْلَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ بِقُرُونٍ، وَأَمَّا النَّثْرُ وَالنَّقْلُ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى الْبَرْبَرِيَّةِ فَكَثِيرٌ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ نُسْخَةٌ مِنْ مُدَوَّنَةِ أَبِي عَانِمٍ بِشَرِ بْنِ غَائِمِ الْخُرَاسَانِي - الْمُدَوَّنَةِ الْكُبْرَى مُتَرْجَمَةً إِلَى الْبَرْبَرِيَّةِ.
فَلِنُفُوسَةَ الْفَضْلُ فِي رُسُوخِ الإِسْلامِ فِي الْعُنْصُرِ الْبَرْبَرِيِّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ نُفُوسَةً نَقَلَتِ الْعُلُومَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى بِلاَدِهَا، حَتَّى نَبَغَ فِيهِمْ أَئِمَّةٌ جَهَابِدَةٌ، وَظَهَرَ فِيهِمْ أَسَاطِينُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ أَبْرَزُوا مِنْ ذَخَائِرِ الْعُلُومِ مَا فَاقُوا بِهِ عُلَمَاءَ الْمَشْرِقِ: عُمانَ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ. وَاسْتَفْرَعُوا الْجُهْدَ لَاسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْقَضَايَا الْفِقْهِيَّةِ. فَعُرِفَتْ نُفُوسَةُ بِآرَائِهَا فِي شَتَّى الْمَسَائِلِ، فَيُقَالُ: هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْجَبَلِ، فَغَالِبًا مَا يُقَالُ: هَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ، فَيُرَادُ بِهِ أَهْلُ الْجَبَلِ، وَلَوْ أَرَدْتُ الإِطَالَةَ لَأَتَيْتُ بِبَعْضِ الْمَسَائِلِ مِنْ ذَلِكَ.
فَفِي نُفُوسَةَ مَجْمَعُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنْ عُلَمَاءِ لَوَاتَةَ وَمَزَّاتَةَ وَهَوَارَةَ وَغَيْرِهِمْ من قبائل البربرِ، فَكَانَ الطَّالِبُونَ لِجَلاَءِ الْقُلُوبِ مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِنَا فِي الأصقاع الأخرَى مِنْ شَمَالِ إِفْرِيقْيًا يَأْمُونَ الْجَبَلَ إِذَا أَحَسُّوا بِفُتُورِ النُّفُوسِ فِي الْعِبَادَةِ، أَوْ ضَعْفِهَا فِي التَّحْصِيلِ وَالْفَهْم، أَوْ قَسَاوَةِ الْقُلُوبِ، فَيَقُولُونَ: نَصْعَدُ إِلَى الْجَبَلِ لِنَصْقَلَ قُلُوبَنَا، يَعْنِي بِالْعِلْمِ وَالذِّكْرِ، وَمُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا يَشْعُرُونَ بِهِ مِنَ النُّورَانِيَّةِ الرَّائِعَةِ عِنْدَ مُجَالَسَةِ أُولَئِكَ الْأَنْقِيَاءِ الْبَرَرَةِ، وَالأوْلِيَاءِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا شَاهَدُوا تِلْكَ الْبَرَكَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَتَنَزَّلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْهِمْ.
رِجَالٌ شَرَوْا لِلَّهِ عَقْدَ ضَمِيرِهِمْ وَلَمْ يَخْتَلِبُهُمْ فِي الْحَيَاةِ سُرُورُهَا