كتاب الوضع
الجزء ١ · صفحة ٥٤كتاب
54
الوضع
مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِن صِيَامٍ) (الْبَقَرَة: 196)، يَعْنِي: إِنْ حَلَقَ. وَأَمَّا فَحْوَى الْخِطَابِ: فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ دُونَ مَا ذُكِرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُل لَّمَا أَفَ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (الإسراء: (23). فَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّتْمَ وَالضَّرْبَ وَالْقَتْلَ أَوْلَى بِالنَّهْي
وَأَمَّا مَعْنَى الْخِطَابِ فَالْمَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِ الْكَلَامِ.
فَلَمَّا دَلَّتْ حُجَّةُ الْعَقْلِ الْوَاجِبَةُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الصَّنْعَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ صَانِع، كَانَ الصَّانعُ لِهَذِهِ الأَشياءِ الْمَصْنُوعَاتِ الْمُحْدَثَاتِ هُوَ اللهُ الْقَدِيمُ الَّذِي لاَ تَجْرِي عَلَيْهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمُحْدَثِ الَّتِي لا يُوصَفُ بِهَا، وَلَوْ كَانَ مَوْصُوفًا بِهَا لَلَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ الْمُحْدَثَ مِنَ الْحَاجَةِ وَالْعَجْزِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْقِدَمَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَهُوَ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، لاَ خَالِقَ وَلَا مُحْدِثَ غَيْرُهُ؛ قَالَ اللَّهُ تعالى: {هَلْ مِن خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (فَاطِر:3) وَقَالَ أَيْضاً: الا له الخلق وَالأَمْر تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الْأَعْرَاف: 54) وَوَجَبَتِ الْوَحْدَانِيَّةُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى لِلَّهِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ وَمَسْمُوعِ الشَّرْعِ
تفسير سورة الإخلاص]
وَنَبَّهَ اللَّهُ عِبَادَهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ اللهُ الصَّمَ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوا (2) أَحَدٌ} (سُورَةُ
(1) الصَّمَدُ: مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ السُّوْدَدُ؛ أَي انْتَهَى إِلَيْهِ الْجَلالُ وَالْكَمَالُ، وَإِلَيْهِ يُفْزَعُ فِي كُلِّ
الْحَاجَاتِ.
(2) الْكُفُرُ: السَّبِيه وَالْمَتِيلُ، وَالْمُرَادُ نَفْي مُطلَقِ التَّسْبِيهِ عَنْهُ سُبْحَانَهُ.