كتاب الوضع
الجزء ١ · صفحة ٨٣فَصْلٌ
ذكر ما لا يسع جهله وما يسع من العلوم]
اعْلَمْ أَنَّ الْعُلُومَ ثَلَاثَةٌ: عِلْمُ مَا لاَ يَسَعُ النَّاسَ جَهْلُهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَعِلْمُ مَا يَسَعُ جَهْلُهُ إِلَى الْوُرُودِ وَقِيَامِ الْحُجَّةِ، وَعِلْمُ مَا يَسَعُ جَهْلُهُ أَبَدًا (1).
فَأَمَّا عِلْمُ مَا لَا يَسَعُ جَهْلُهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ: فَهُوَ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ، لَا يَسَعُ جَهْلُهُمَا؛ لأَنَّ مَنْ جَهِلَ الشِّرْكَ لَمْ يَعْلَم التَّوْحِيدَ، فَوَجَبَتْ (2) مَعْرِفَتُهُمَا
(2)
مَعَ أَوَّلِ الْبُلُوغ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: سِتَّةٌ تَكُونَ (3) مَعَ سِتَّةِ: التَّكْلِيفُ وَالْبُلُوغُ وَالأَمْرُ والنهي، وَمَعْرِفَةُ اللَّهِ وَمَعْرِفَةُ الرَّسُولِ، وَالْوَلايَةُ وَالْبَرَاءَةُ، وَالْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ،
وَالْمَنُ وَالدَّلائِل (4) (5)
(1) يَعْنِي: مَا لَمْ يَحتج إِلَيْهِ.
(2) وَجَبَتْ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ؛ لأَنَّ الشَّيْءَ يُدْرَكُ إِدْرَاكًا وَافِيًا إِذَا عُرف بضده.
(3) تَكُونُ: أَي تَلْزَمُ كَمَا فِي الْعَقِيدَةِ: سِتَّةٌ تَحِبُّ مَعَ سِتَّةٍ (4) الْمَنُ: التَّفَضُلُ بِالإِنْعَامِ عَلَى الْخَلَائِقِ وَالدَّلائِلُ: الْكَائِنَاتُ، وَسَائِرُ الْمَوْجُودَاتِ هِيَ دَلَائِلُ الْوَحْدَانِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ وَالربوبية؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وان فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اليلِ وَالنَّهَارِ لايت لأولي الألْبَب) (آل عمران (19). (5) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: الْمَنُ: مَعْرِفَةُ أَنَّ جَمِيعَ النَّعَمِ مِنَ اللَّهِ تَفَضُّلاً وَإِحْسَانًا، وَهَذَا يَنْفِي عَنْكَ الْعُجْبَ الَّذِي هُوَ مَحْبَطَةٌ لِلْعَمَلِ وَالدَّلائِلُ: جَمِيعُ الْكَائِنَاتِ تَدُلُّ عَلَى الْخَالِقِ الْوَاحِدِ الْقَادِرِ جَلَّ جَلالُهُ.