كتاب الوضع
الجزء ١ · صفحة ٨٩كتاب
89
الوضع
(1) -
الخوف والرجاء، والمن والدلائل]
وَأَمَّا الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ: فَيَقَعُ وُجُوبُهُمَا مَعَ الْبُلُوغِ أَيْضًا، وَهُمَا مِنْ أَفْعَالِ الْقَلْبِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُسَاوِي بَيْنَهُمَا حَتَّى يَعْتَدِلَا كَالْمِيزَانِ الْهِنْدِي لئلا يميل (1) أَحَدُهُمَا بِالآخَرِ؛ لأَنَّهُ إِنْ مَالَ الْقَلْبُ إِلَى الرَّجَاءِ خِيفَ عَلَيْهِ الأَمَانُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الخَسِرُونَ الأَعْرَاف (99)، وَإِنْ مَالَ الْقَلْبُ إِلَى الْخَوْفِ خِيفَ عَلَيْهِ الإِيَاسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ لَا يَأَيْنَسُ مِن زَوْجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَفِرُونَ) (يوسف، (87)
وَأَمَّا الْمَنُ وَالدَّلائِلُ: فَتَجِبُ مَعْرِفَتُهُمَا مَعَ أَوَّلِ الْبُلُوغ؛ وَذَلِكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، وَرَزَقَ الأَرْزَاقَ مَنَّا مِنْهُ وَفَضلاً، لا وُجُوبًا ولا فَرْضًا (3)، وَلَكِنْ خَلَقَهُمْ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ، وَتَحْقِيقا لِمَا سَبَقَ مِنْ إِرَادَتِهِ، وَلِمَا حَقَّ فِي الأَزَلِ مِنْ كَلِمَتِهِ، لا لافْتِقَارِهِ إِلَيْهِمْ وَحَاجَتِهِ، وَأَحْدَثَهُمْ بِقُدْرَتِهِ لَا لِحَاجَةٍ وَلَا لاسْتِفَادَةٍ، وَخَلَقَ الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ لِلْقُرْبِ وَالسَّعَادَةِ، وَخَلَقَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ لِلابْتِلَاءِ وَالْعِبَادَةِ، وَخَلَقَ سَائِرَ الْخَلْقِ لِلدَّلَالَةِ وَالشَّهَادَةِ.
(1) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَوْ وُزِنَ رَجَاءُ الْمُؤْمِنِ وَخَوْفُهُ بِمِيزَانٍ تَرِيصٍ، مَا زَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخر [البيهقي: شُعَبُ الإِيمَانِ، (1025، مَوْقُوفًا عَلَى مُطَرْفِ تَرِيصٍ بِالصَّادِ الْمُحكم الْمُقَومِ النِّهَايَةِ [ابْنُ الأَثير: النَّهَايَةُ فِي غَريب الأَثَرِ، 492/ 1]. وَلَكِنْ عِنْدَ الاحْتِصَارِ يَمِيلُ إلَى الرَّجَاء كَمَا قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رَحِمَهُ اللهُ.
(2) الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ.
(3) هَذَا رَةٌ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ رِعَايَةِ الْأَصْلَحَ عَلَى اللَّهِ