كتاب الطهارات
الجزء ١ · صفحة ١٩كتاب الطهارات
ولذلك فلا يستبعد أن يكون قد تلقى بعض المبادئ من أسرته؛ لأن أهل العلم والفضل لا يفرطون في تربية أبنائهم وتعليمهم ما يلزم في دينهم ودنياهم، وتقوية دعائمهم ومرتكزاتهم، وتبصيرهم بالطريق الأمثل. وقد اشتهر عن الشيخ أبي نبهان أنه بدأ تعليمه في وقت متأخر من حياته، فكما يقال بأنه بدأ تعلمه وهو في سن الأربعين أو شارف عليها، فقد ذكر بعض الكتاب بأن الشيخ جاعد عندما شب وترعرع ولع بالرمي بالبندقية، والصيد على قمم الجبال والصحاري حتى ناهز الأربعين أو كاد فجاء إلى الشيخ سعيد بن أحمد الكندي ليكتب له شيئاً من آيات الله تعالى لكي تعينه على جلب الصيد ولكن ذلك العلامة فطن - وقد تلمح من أبي نبهان فرط الذكاء - قال له يا هذا لي بندقية لا تخطئ الهدف ولا تعدو الثغرة قرب المرمى أو بعده، فقال أبو النبهان أرني بندقيتك، فذهب الشيخ الكندي مسرعاً وجاءه بكتاب ضخم فوضعه بين يديه وقال له هذه بندقيتي فإن كنت ترغب في الإصابة وأن لا تخطئ هدفاً ما حييت فهلم أعلمك الرماية. وذكر الكاتب طريقة التعليم والخلوة إلى أن قال: فلم يبارح موضعه - رضي الله عنه - إلا والحقيقة تملأ قلبه بنور العرفان، والروح الإلهي على ذاكرته وهبا بالعلم اللدني.
فأخذ مجداً في طلب العلم لدى أستاذه حتى أصبح شيخاً لأستاذه، وإماماً لأقرانه، وقطبا لأهل زمانه، وعكف على القراءة ليله ونهاره حتى استفحل أمره فكان أعلم أهل قرنه، وبلغ درجة الاجتهاد، وتفوق على العلماء المجتهدين، وصار مرجع الفتيا وقطب رحا العلم الذي تدور عليه وذلك كله في مدة قصيرة، وكان - رضوان الله عليه كذلك له اليد الطولى في علمي الحرف والأوفاق (1).
وهذا الكلام يبين ما كان للشيخ - رحمه الله تعالى - من فضل وعلم ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ (2)، وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (3).
فما أجمل ما قيل فيه، وما أحسنه، وأي قلم يستطيع الكتابة، وأي ورق
يسمع سيرته وأفضاله.
(1) الحقيقة، الشيخ عبد الله بن علي الخليلي، ص 11، 12.
(2) الجمعة 4.
(3) البقرة/ 269.
15