كتاب فصول الأصول
الجزء ١ · صفحة ١٩١(1)
كتاب فصول الأصول =
القرينة، وهي التي تتعذر معها إرادة الحقيقة أصلاً، أما إذا لم تكن كذلك بل كانت مرجحة للمجاز فقط، فمذهبه التوقف عن ترجيح واحد منهما على الآخر، ومثال ذلك من حلف لا يشرب من هذا النهر، فالحقيقة المتعاهدة الكرع من النهر بفيه كما هي عادة كثير من الرعاة، والمجاز الغالب هو الشرب منه بما يغترف به كالإناء، فإن لم ينو شيئاً منهما فهل يحنث بالأول دون الثاني؟ أو بالثاني دون الأول؟ أو لا يحنث بواحد منهما ما لم ينوه حتى يكون جامعاً بين الوجهين؟ خلاف مبني على الأقوال الثلاثة، أما إن كانت الحقيقة مهجورة قدم المجاز عليها اتفاقاً، وذلك كمن حلف لا يأكل من هذه النخلة، فإنه يحنث بالأكل من ثمرها دون سائر أجزائها التي هي الحقيقة المهجورة في مثل هذا المحل.
أما إن تساويا في الترجيح قدمت الحقيقة على المجاز اتفاقاً كما لو كانت هي الراجحة لأنها الأصل، واختلفوا فيما إذا ثبت حكم بالإجماع - مثلاً - لكن ذلك الإجماع مستند على دليل من خطابه بطريق المجاز هل يدل ثبوت الحكم المذكور على أن الحكم هو المراد من ذلك الخطاب؟.
(2)
ذهب جمهور الأصوليين إلى أنه لا يدل على أنه المراد منه بل يبقى الخطاب على حقيقته لعدم الصارف عنها، وقال الكرخي -وهو من الحنفية - وأبو عبد الله البصري - وهو من المعتزلة أنه يدل على أن ذلك الحكم هو المراد من الخطاب، فلا يبقى الخطاب على حقيقته إذ لم يظهر لذلك الحكم مستند غيره مثال ذلك وجوب التيمم على المجامع الفاقد للماء ثبت بالإجماع يمكن كونه هو المراد من قوله تعالى: أو لامستم النساء فلم
تجدوا ماء فتيمموا
(3)
(1) الكرع: كرع: إذا تناول الماء بفيه من موضعه كما تفعل البهائم. ابن منظور (اللسان) باب العين فصل الكاف، ج 8 ص 308، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الكاف، ج 2 ص 814
(2) أبو عبد الله البصري الحسين بن علي بن إبراهيم الملقب بجمل، فقيه من شيوخ المعتزلة، ولد في البصرة سنة 288 هـ من كتبه: الإيمان والإقرار والمعرفة، توفي سنة 369 هـ. ابن العماد (شذرات
الذهب ج 4 ص 373 الزركلي (الأعلام) ج 2 ص 244.
(3) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 43.