كتاب فصول الأصول
الجزء ١ · صفحة ٢٥٣كتاب فصول الأصول
هؤلاء أن العلماء لم تزل على الفساد بالنهي عن الربويات والأنكحة وغيرها، وبأن الأمر يقتضي الإجزاء، والنهي نقيض الأمر فيقتضي نقيض الإجزاء، وهو الفساد. وذهب الغزالي والفخر الرازي وأبو الحسين إلى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه في العبادات دون المعاملات، ودلالته على ذلك شرعية (1) لا لغوية، لأن الفساد حكم شرعي لا تعقله العرب، فلا يصح أن يكون مقصوداً لها في وضع النهي. وأما الشرع فلا إشكال في
صحة قصده.
وذهب قوم إلى أن النهي إن كان لذاته كالكفر وبيع الحر وأكل الميتة ونحوها دل على
(2)
فساد المنهي عنه، وإن كان لصفة عارضة على المنهي عنه فلا يدل على فساده، وذلك كوطئ الحائض، وصوم يوم النحر، والصلاة في الأرض المغصوبة فلا يدل ها هنا على فساد المنهي عنه.
أما في الأول: فلأن وطء الزوجة مباح في الأصل، وإنما نهي عنه لعارض زائد على
الأصل، وهو وجود الحيض
وأما الثاني: فلأن الصوم مباح في الأصل بل دوب إليه، وإنما نهي عنه يوم النحر - مثلاً - لكون ذلك اليوم فيه ضيافة الله سبحانه وتعالى لعباده بالأكل من نسكهم، فهذه صفة عارضة على اليوم، فلا يدل النهي على فساده
وأما الثالث: فلأن الصلاة في الأصل مباحة مأمور بها في مطلق الأرض الطاهرة، وإنما نهي عنها في الأرض المغصوبة لما عرض عليها من صفة زائدة على الأصل، وهو الاغتصاب من مالكها، وكذلك الوضوء بالماء المغصوب أو الإناء المغصوب على هذا النحو، ولا نعلم لهم دليلاً على هذا التفصيل، ولا سيما حيث يقتضي النهي تحريماً في الطرفين فهو ترجيح بلا مرجح
(1) وحكاه ابن الصباح عن متأخري الشافعية الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 386، أبو الحسين (المعتمد ج 1 ص 171 الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 25، الرازي (المحصول بشرح النفائس) ج 3 ص 1686، الحافظ الملائي (تحقيق المراد) ص 286
4
(2) حكاه أبو إسحاق الشيرازي عن بعض الشافعية الشيرازي (شرح اللمع ج 1 ص 297، ابن السبكي
(الإبهاج) ج 2 ص 69.