كتاب فصول الأصول
الجزء ١ · صفحة ٤٣كتاب فصول الأصول
الضمائر التي كانت موضوعة متصلة، وأن إيا دعامة لها دعمت حين أريد انفصالها لتستقل
لفظاً (1)
فإذا تتبع القارئ هذا الكلام من المؤلف يجده رجلاً محققاً واعياً مطلعاً في هذا الفن الذي يعتبر مفتاح العلوم، ومن أهم روافد أصول الفقه.
الأخذ
وعندما يتكلم المؤلف في مسألة من مسائل الدماء يبين آراء المذاهب الإسلامية، ويذكر أقوالهم مسنداً القول إلى صاحبه غالباً، فعلى سبيل المثال قال في مسألة وجوب والعمل بالقسامة (2) ما نصه: اعلم أن القسامة في الأصل اختلف العلماء من السلف والخلف في وجوب الأخذ والعمل بها … ثم إن القائلين بالوجوب، وهم الأكثر اختلفوا - أيضاً - هل تجب بمطلق وجود القتيل بين قوم لا يعرف قاتله ولو بدون أمارة أو شبهة يتعلق بها الحكام … أولا يحكم بها إلا إذا كانت هنالك شبهة … فلا تجب عند مالك إلا بلوث واللوث: الحقد وشبه الدلالة على الشيء والشاهد الواحد لوث عند مالك … ووافق الشافعي في قرينة الحال المخيلة مثل: أن يوجد قتيل متشحطا بدمه وبقربه إنسان بيده حديدة مدماة … وقال أبو حنيفة وصاحباه إذا وجد قتيل في محلة قوم وبه أثر، وجبت القسامة على أهل المحلة قلت أي المؤلف - وهو قول أصحابنا - أي الإباضية، ومن أهل العلم من أوجب القسامة بنفس وجود القتيل في المحلة … وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود، وقال به الزهري وجماعة من التابعين وهو مذهب ابن حزم. فلم يقتصر رحمه الله- في هذه المسألة على ذكر قول أهل مذهبه، وإنما كان يعدد آراء العلماء وأقوال الفقهاء من الصحابة والتابعين وعلماء المذاهب الإسلامية ممن جاؤوا بعد عصر التابعين، كل ذلك بأدب العلماء، فإن القارئ لا يلمس إزدراء للرأي الآخر ولا تنقيصا لصاحبه، مما يدل على موضوعيته، وهكذا الحال في سائر كتابه، بل في كل مؤلفاته، يتسم بروح الموضوعية والنزاهة
((3)
ومما يتميز به هذا المؤلف أن المصنف قد يقوم بتخريج أحاديثه في كثير من الأحيان، فيسهل للقارئ معرفة مكان الحديث الذي استدل به المؤلف على مسألة ما، ففي دية الجنين- مثلاً - يسوق الحديث الشريف الدال على أن ديته غرة وأنها عبد أوأمة فيقول:
(1) جلاء العمى ص 2625
(2) القسامة: حلف خمسين يمينا أو جزئها على اثبات الدم السيابي خلفان (جلاء العمى) ص 223 (3) المرجع السابق، ص 232، وص 233، وانظر: ابن حزم المحلى) ج 11 ص 72، الكاندهلوي (أوجز المسالك إلى موطأ مالك) ج 13 ص 150، ابن حجر (فتح الباري) ج 12 ص 239