كتاب فصول الأصول
الجزء ١ · صفحة ٥٦٥كتاب فصول الأصول =
بقول عالم في حادثة فليس له أن يعمل بقول غيره في مثل تلك القضية، بل يلزمه أن يلتزم قول ذلك العالم في تلك القضية وما أشبهها (1).
(2)
وقيل: يلتزمه بمجرد الإفتاء ولو لم يعمل به، وقيل له التخير بين أقوال المجتهدين فيسأل من شاء، ويعمل بقول من أراد منهم (3)، وهذا هو الظاهر من أحوال الصحابة، فإنه لم يبلغنا عنهم أن أحداً منهم التزم مذهباً معيناً، وإنما كانوا بين سائل ومسئول، والرجل منهم يسأل الرجلين والثلاثة والأكثر في قضية واحدة، ولا ينكر ذلك فيما بينهم، فلا يلزم الضعيف أن يلتزم مذهب مجتهد واحد، ويقلده في جميع قضاياه، خلافاً لما عليه الأكثر من قومنا (4)، ولا يجوز تتبع الرخص من المذاهب، فيأخذ من كل مذهب ما هو الأخف والأهون فيما يقع له من المسائل تشهياً لقضاء غرضه الفاسد، فذلك حرام لا يحل لأنه يؤدي إلى الانهماك في الرخص وعدم المبالاة بهدم الديانات (5).
ولذا منع جل أصحابنا من إفتاء طالب الرخصة قبل أن يقع فيها خوف التساهل في أمور الدين، وطلباً لنجاة المسلمين، فإن العالم أمين الله في الأرض، فالواجب عليه أن لا يضع أمانته في غير موضعها، ومع غير مستحقها، وهو - أيضاً - كالطبيب لا يضع الدواء إلا على العلة (6)
(V)
ثم إن الأصوليين قد اختلفوا في صحة الاجتهاد في عهده صلى الله عليه وسلم، فقال أكثر العلماء بصحته في غيبته، ومنهم من منعه في عصره صلى الله عليه وسلم- مطلقاً لإمكان الرجوع إليه في القضايا المشكلة بالمشافهة أو المراسلة، ولأن الاجتزاء
(1) حكى الآمدي الاتفاق على ذلك (الإحكام) جـ 4 ص 242، وانظر: الشنقيطي (نثر الورود) جـ 2 ص 654. (2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) جـ 2 ص 399. الزركشي (البحر المحيط) جه ص 373، الشنقيطي (نثر الورود) جـ 2 ص 655. (3) قال به الآمدي (الاحكام ج 4 ص 243، وحكاه الزركشي عن أكثر الشافعية (البحر المحيط) ج 8 ص 367، والشنقيطي عن أكثر العلماء نثر الورود) جـ 2 ص 655.
(4) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) جـ 2 ص 400 السالمي (شرح طلعة الشمس) جـ 2 ص 296 الشنقيطي (نثر الورود) جـ 2 ص 658.
(5) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) جـ 2 ص 400، الزركشي (البحر المحيط) جـ 2 ص 381. (6) الشقصي (منهج الطالبين) جا ص 137، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 298
(7) الطوفي شرح مختصر الروضة (جـ 3 ص 589، الزركشي (البحر المحيط جه ص 255، ابن النجار (شرح الكوكب المنير (جـ 4 ص 482، السالمي (شرح طلعة الشمس) جـ 2 ص 300 الشنقيطي (نثر الورود)
جـ 2 ص 631.