كتاب فصول الأصول
الجزء ١ · صفحة ٥٨كتاب فصول الأصول
فقد فهم المؤلف أنه ليس في الحديث دلالة على أن القضاء وجب بأمر جديد، ولذلك اعترض على استدلال الأكثر به من أربعة وجوه كلها منصبة فيما يدل عليه الحديث، ففي الوجه الأول بين أن دلالة الحديث في المنسية والمنيم عنها تفيد الأداء لا القضاء بدليل الزيادة الواردة في بعض الروايات فذلك وقتها.
وبين في الوجه الثاني أن الحديث وارد لإزالة الأشكال الوارد على ذهن المكلف، وهو التردد بين وجوب تأدية الصلاتين على الفور أو التراخي
وفي الوجه الثالث ذكر أن الأمر في الحديث جاء ليبين بقاء دلالة الأمر الأول على حاله إلى
ما بعد خروج الوقت، فالقضاء مستفاد من الأمر الأول، والثاني جاء مؤكداً له.
وفي الوجه الرابع بين أن الحديث ورد في غير المتروكة عمداً، فلو كان القضاء مستفاداً من الأمر الوارد في الحديث لما وجب قضاء المتروكة؛ إذ ورد الحديث في المنسية والمنيم عنها، ولا يمكن القياس لوجود الفارق
وعندما حكى قولاً في جاحد المجمع عليه الخفي الذي لا يعرفه إلا الخواص، وهو منصوص عليه كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب أنه أي الجاحد لا يحكم بكفره، قال: وعندي فيه نظر، إذ ما كل ما يعذر بجهله يعذر بجحده، فالجحد أشد من الجهل لأنه قد يضطر إلى مقارفة الشيء مع الجهل به لعدم إمكان علمه بخلاف الجاحد، بل فرض العامي الوقوف عما جهل لقوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم. فقد فرق بين الجاهل والجاحد، إذ الجاهل لا علم له بذلك الشيء الذي فارقه بخلاف الجاحد فافترق حكمهما (2)
(1)
- وليست مناقشته مقصورة على علماء المذاهب الأخرى، بل حتى على علماء مذهبه، فقد ناقش الإمام السالمي عندما اعترض على كلام الجاحظ أن المجتهد لا يأتم إذا أخطأ في اجتهاده إن كان قصده الحق ولم يعاند، فاعترض عليه الإمام السالمي بأن هذا القول يؤدي إلى القول بنجاة اليهود والنصارى والمشركين، لأن من طلب الحق من هؤلاء فأخطأه يحكم بنجاته، لكن المؤلف لم يرتض هذا الاعتراض، إذ رد عليه بأن اليهود والنصارى وغيرهم من ملل الشرك قد عرفوا الحق فتركوه مكابرة لقوله تعالى يعرفونه كما يعرفون
أبناءهم (3)
(1) الاسراء اية 36.
(2) (فصول الأصول) تحت عنوان «تتمة ..
(3) البقرة آية 146.