النكاح صحة وفسادا وآثارا في المذهب الإباضي
الجزء ١ · صفحة ١٤٧1 - إن المرضع التي ترضع الولد إنما تغذيه بجزء من جسمها، فيدخل أجزاؤها
في تكوينه، ويكون جزءا منها، وإن الحس والطب يثبتان ذلك، فإن لبنها در من دمها ينبت لحم الطفل، وينشز عظمه، وإذا كان دمها ملوثا بمرض مستكن فيه سرت عدواه إلى الطفل، وإن كانت نقية الدم سليمة قوية استفاد الطفل منها قوة ونماء، وعليه فقد أسهمت في بناء جسمه، فأصبح كقطعة منها يشبه إلى حد كبير ولدها الذي حملته في بطنها وتغذى بغذائها، لذلك سماها القرآن أما للرضيع، وجعل بناتها أخوات له فنشأت بينهما رابطة كرابطة النسب، وتلك رابطة كريمة تستدعي الحفاظ عليها. ولما كانت رابطة الزواج لا تتفق معها منع الشارع اجتماعهما فكان أن يجعلها سببا من أسباب تحريم الزواج كما حرم بالنسب.
نعم إن هذه الرابطة لا تتساوى مع رابطة النسب في كل جوانبها، لذلك أخذت من أحكام النسب بعضها كتحريم الزواج دون باقيها من التوارث ووجوب النفقة
وغيرها.
- إذا كان الطفل جزءا منها فهي كالأم النسبية، بيد أن هذه غذته بدمها في بطنها، وتلك غذته بدمها بعد وضعها، فإذا كانت الأم النسبية محرمة على التأبيد، وبعض من يتصل بها محرمات عليه، فكذلك الأم الرضاعية، وهذا أمر بديهي يدركه أصحاب الخبرة والإحساس.
- إن المرضع تندمج في الأسرة التي ترضع أحد أولادها فتكون من أفرادها، كما أن الطفل يكون في بيت مرضعته مندمجا في أسرتها، فيكون ذلك التشابك سببا في جعل أسرة الطفل أسرتها، وأسرتها أسرته أيضا.
وإذا كانت العلاقة التي تكون من هذا النوع في النسب موجبة للتحريم في كثير من الأحوال، فينبغي أن تكون كذلك الرضاعة في هذه الأحوال.
4 - هناك فائدة للتحريم بالرضاعة قد ذكرها بعض كتاب الفرنجة المسيحيين الذين أعجبوا بنظام الإسلام في الرضاع، فقالوا: إن التشجيع على الإرضاع إحياء للأطفال الذين ليست لهم أمهات يرضعنهم، فإن المرضع إذا علمت أنها في الشريعة أمُّ لهذا الرضيع لها ما لأمه النسبية من الإجلال والتكريم، فإنها تقدم على الإرضاع
من غير غضاضة، وقد يكثر بذلك النسل.
139