النكاح صحة وفسادا وآثارا في المذهب الإباضي
الجزء ١ · صفحة ٢٤٤فضلا عن إقلالهم في الأخذ بمبدأ سد الذرائع، ومن ثم كان تصحيحهم للعقد قضاء مادام لم يشترط فيه التحليل أثناء العقد، صراحة، حيث أن نظرتهم توجهت نحو صيغة العقد لا إلى البواعث والدوافع التي دفعت إليه. وبناء عليه فإن زواج المحلل بلا شرط صريح في العقد على التطليق وإنما بالنية والقصد الباطن هو صحيح مكروه؛ لأن العقد قد استوفى أركانه وشروطه في الظاهر ولا يتأثر العقد بالباعث الداخلي.
وقالوا: إن النهي الوارد في الحديث عن عقد نكاح المحلل لا يدل على فساد ماهو فيه، وإنما حملوا النهي على فساد هذا العقد لمن اتخذه مكسبا أو شرطه في العقد، أما من نوى ذلك في قلبه فمأجور ما دام غرضه الإصلاح.
وخلافا لمنهج الحنفية والشافعية فإن منهج الإباضية والمالكية والحنابلة لا يقف عند صيغة العقد؛ وإنما يتجاوزها إلى النيات والدوافع التي دفعت إليه طالما دلت عليها قرائن ودلائل كافية، كما أنهم عوَّلُوا كثيرا على مبدأ سد الذرائع، ولذلك اعتبروا نكاح المحلل ولو لم يكن التحليل مشروطا في العقد حراماً باطلاً مفسوخاً لا تحل به المرأة لزوجها الأول لأن الزوج الثاني قصد التحليل وهو ممنوع، والمعتبر هو قصده لا قصد الزوج الأول أو المرأة.
وقالوا: إن اللعن الوارد في الأحاديث السابقة لا يكون إلا على ذنب كبير، والنهي على الشيء يدل على فساد المنهي عنه، وهذا الرأي يتفق مع مبدئهم في سد الذرائع بالباعث الداخلي، فالنية الباطنة تكون سببا لإبطال هذا العقد ولو بدون اشتراط هذا التحليل على المحلل (1)
قال ابن القيم في هذا الصدد: «ولا فرق عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ والقصد، فإن القصود في العقود عندهم معتبرة، والأعمال بالنيات والشرط المتواطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم، والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على المعاني».
ثم قال: «إن هذا الزواج الصوري كذب وخداع لم يشرعه في دين ولم يبحه لأحد، وفيه من المفاسد والمضار مالا يخفى على أحد (2)
1 - الزحيلي | الفقه، ج 7 / ص 146.
عبد الرحمان العدوي الوسيط في الفقه، ص 169.
236