النكاح صحة وفسادا وآثارا في المذهب الإباضي
الجزء ١ · صفحة ٢٧١أن يراد به الوطء، أو العقد كما قال ابن عباس؛ فإن أريد به الوطء فإن معناه لا يكون زنى إلا بزانية، وذلك عبارة عن أن الوطأين من الرجل والمرأة من الجهتين، ويكون تقدير الآية وطء الزانية لا يقع إلا من زان أو مشرك وهذا يؤثر عن ابن عباس وهو
معنى صحيح.
فإن قيل: فإن زنى بالغ بصبية أو عاقل بمجنونة أو مستيقظ بنائمة، فإن ذلك من جهة الرجل، زني، فهذا زان نكح غير زانية، فيخرج المراد عن بابه الذي تقدم». ثم رد ابن العربي على هذا الاحتمال فقال: «قلنا هو زنى من كل جهة، إلا أنَّ أحدهما سقط فيه الحد والآخر ثبت فيه، وإن أريد به العقد كان معناه: أن متزوج الزانية التي قد زنت ودخل بها ولم يستبرئها يكون بمنزلة الزاني إلا أنه لا حدّ عليه لاختلاف العلماء في ذلك، وأما إذا عقد عليها ولم يدخل بها حتى يستبرئها فذلك جائز إجماعا).
ويلاحظ أن ابن العربي حكى الإجماع في هذه المسألة، وهذا غير صحيح حيث اختلف الإباضية وغيرهم مع الجمهور في هذه القضية، واعتبروا هذا العقد باطلا؛ لأن الحلال عندهم لا يحل الحرام، بمعنى أن عقد النكاح لا يحل الزني الذي سبق العقد، ولا عبرة بالاستبراء ولا بالتوبة وعليه فلا يجوز العقد على الزانية في كلّ
الأحوال.
وقد ذكر القرطبي تأويلا آخر للآية السابقة فقال: «وقيل ليس المراد في الآية أن الزاني لا ينكح قط إلا زانية، إذ قد يتصور أن يتزوج غير الزانية، ولكن المعنى أن من تزوج بزانية فهو زان فكأنه قال: لا ينكح الزانية إلا زان فقلب الكلام، وذلك أنه لا
ينكح الزانية إلا وهو راض بزناها، وإنما يرضى بذلك إذا كان هو أيضا يزني». ويلاحظ من هذا الرأي أن تأويله قد اقترب من رأي جمهور الإباضية حيث أنهم يشترطون على الزاني ليتزوج زانية مثله، أن يكون محدودا وتكون محدودة في زنى مع غيرهما بدليل أن محدودا تزوج غير محدودة ففرق علي -رضي الله عنه-
بينهما.
- القرطبي: الجامع، مج 6، ج 12 / ص 170.
263