مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ١٠٥باب في حكم التعارض
وكذا لا يصحُ التعارض بينَ ظَنّيّ وقطعي. وقيل: يصحُ، لكن يقدم القطعي. والصحيحُ الأوّل؛ لعدم وجودِ الظَّنِّ مع وجودِ القطع، ولأنَّ القطعَ ثمرة اليقين. وأيضًا فالظن والقطع نقيضان لا يتواردان على محلّ واحد.
واعلم أنَّه إذا تعارض دليلان من الكتاب أو من السنة، وعلم الأوّلُ تأريخا فهو المنسوخ، والثاني ناسخه، فإن لم يُعلم، وأمكن الجمع بينهما جمع، وإلا رُجح أحدهما على الآخرِ وعُمل به.
ويقدّم الكتاب على السنّة إذا عارضته. وقيل: هي مقدمة عليه؛ لأنَّها تبيان له. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿قُل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا / 84/ مَسْفُوحًا أَوْ لحم خنزير (الأنعام: 145]. فقد تناولت الآية خنزير البر وخنزير البحر، لكنها عورضت بقوله صلى الله عليه وسلم حين سُئِلَ عن ماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه والحل ميتته». فقد شمل الحديث خنزير البحر وصيده. ومن هنا نشأ الخلاف، فبعض أحلَّ خنزير البحرِ لتناول الحديثِ له، وهو مقدّم على الآية؛ لقوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، ولقوله تعالى: وَمَا الكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]. وبعض حرَّمه لتناول الآية له، وهي مقدمة عنده على الحديث؛ لأنَّها الأصل له، والحديث معاذ بن جبل حين قال له رسولُ الله: «بم تقضي؟ قال: بما في كتاب الله. قال: فإن لم
(1)
تجد؟ قال: بما في سنّة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد فيه برأيي). فأقره (2) -عليه الصلاة والسلام-. وبعض جمع بين الآية والحديث، فحمل الآية على خنزير البر؛ لأنَّه المتبادِرُ في الذهن.
وكذا قوله: أيما إهاب دبغ فقد طهره (3) معارض بقوله: لا تنتفعوا من الميتة بشيء). فالحديث الأول / 85/ مخصص لإهابِ الميتة متى دُبغ. وحملوا عموم قوله: «لا تنتفعُوا
(1) تقدم تخريجه.
(2) كتبت في النسخة المخطوطة (أ) فأفته» وهو تصحيف ظاهر. (3) رواه الربيع من طريق ابن عباس باب أدب الطعام والشراب رقم (389)، ورواه ابن ماجه من طريق ابن عباس أيضا في باب لبس جلود الميتة إذا دبغت رقم (3609)، ورواه غيرهما.
(4) رواه أبو داود بلفظ أن لا تَسْتمْتِعُوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة من طريق عبد الله بن عكيم رقم (4127)، ورواه النسائي باب ما يدبغ به جلود الميتة رقم (4249)، ورواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما.