مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ١١٣باب في حكم التعارض
201
وهنا ثلاث مسائل اجتمع فيها المثبِتُ والنافي: أولها خيارُ العتاقة، كأن تُعْتَقَ الأَمةُ المنكوحة وزوجها حرّ. فإن اختارت نفسها منه بعد العتق ثبت لها الخيار، قياسًا على الأمة التي تزوجها عبد ثمَّ عُتِقَتْ. وخالف الشافعي في ذلك. وكقضية بريرة حين أعتقتها عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها وزوجها عبد، فاختارت بريرة / 94 / نفسَها منه، فثبت لها الخيار بحكم النبي). وهذا القسم مما لا يُعرفُ إلا بظاهر الحال؛ لأنَّ العبودية كانَتْ ثابتة قبل العتق.
لند (1)
وكذا حديث ميمونة الهلالية زوج النبي - عليه الصلاة والسلام-، فقد روى ابن عبّاس أنَّه تزوَّجَها وهو محرم». فهذا [ناف]؛ لأنَّه مبقى على الأمر الأول، وهو الإحرام؛ لأنَّه كان ثابتا قبل التزويج. وهذا القسم مما يُعرَفُ بدليله، وهو هيئة المحرم.
وروى يزيدُ بنُ الأصم أنَّه - عليه الصلاة والسلام - تزوجها وهو حلال»، أي خارج من إحرامه، وهو مثبت؛ لأنّه دال على أمر عارض على الإحرام، والمثبت مقدَّم على النافي. لكن صح العمل بالنافي هنا، وقُدِّمَ على المثبت لأنَّ النفي مما يُعرفُ بدليله، وهو هيئة المحرم، فتعارض الإثبات والنفي، وكانا في القوّة سواء، فرُجُحَ النافي بسبب فقه الراوي وإتقانه وضبطه. وكذا طهارة الماء وحلُّ الطعام هما من جنس ما يُعرَفُ بدليله، كالنجاسة والحرمة. فإذا أخبر أحدٌ بنجاسة الماء، والآخرُ بطهارته، أو أخبر بحلّ الطعام، والآخرُ بِحُرمتِه، فالمخبِرُ بالطهارة وبالحِلّ نافِ؛ لأنَّه ينفي العارض / 95 / ويبقى الأمر الأصلي والمخبرُ بالنَّجاسةِ والحرمة مثبت؛ لأنَّه يُثبتُ أمرا عارضًا، فالنَّفي هنا مما يحتمل أن يكون مبنيا على دليل. كأن يأخذ المخبرُ الماءَ من نهر جار، فيضعه في إناءٍ طاهر، ولم يغب عن ذلك الماء، فإنَّه يكون عارفا بطهارته بدليل موجب. ويحتمل أن يكون مبنيا على ظاهر الحال. فإن عُرِفَ المخبرُ أَنَّه أخبر بناءً على ظاهر الحال؛ فلا يعارض قوله قول المثبت. وإذا علم أنه أخبر بدليل كما قررناه؛ فإِنَّ قولَه يعارض قول المثبت؛ لكون كلّ واحدٍ منهما مخبرًا عن دليل. فإذا تحقق التعارض بينهما عُمِل بما هو الأصل، وهو الطهارة في الماء، والحل في الطعام. والله تعالى أعلم.
(1) رواه الربيع في باب في الخلع والنفقة من طريق عائشة رقم (535)، ورواه البخاري باب الحرة تحت العبد من طريق عائشة أيضا رقم (5097).
109