مشكاة الأصول حمد بن عبيد بن مسلم السليمي أبو عبيد

مشكاة الأصول

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

مشكاة الجمال

الحانث، فكانَتْ ظِلا للبر. وسُمِّيت سببا مجازا مرسلا، باعتبار ما تؤول إليه، فعلاقته الأَوْلَى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] فسماهم موتى وهم أحياء، باعتبار ما يؤولون إليه قطعا. وكذا اليمين لما كان مالها إلى الحِنْثِ سُمِّيت سببًا؛ لأنَّ الرجل إذا قال لزوجته أو لعبده إن دخلتُما دارَ فلان فأنتَ حرّ وأنتِ طالق، فقصده منعهما عن الدخول في الدار، وهو يره، لكن ربما تدخل المرأة فتطلق، ويدخل العبد فيتحرّر، فيقعُ الحِنْتُ عليه. فلمَّا كانَ مَالُ اليمين إلى الحنث سُمِّيت مجازا بهذا الاعتبار، لا باعتبار ما شُرِعَتْ إليه.

وكذا الشرط يُسمَّى سببًا؛ لأنَّه يؤول إلى الحنث. ومن هنا نشأ الاختلاف فيمن قالَ لزوجته: إن دخلتِ دارَ فلان فأنتِ طالق ثلاثا، ثم طلّقها ثلاثا، فتزوّجَتْ زوجًا غيره، فدخل بها، ثم طلقها، فعادت إلى الأوّل، فدخلَتِ الدار؛ قيل: تطلق نظرًا إلى أن الشرط كاليمين، فهو سبب لوقوع الطلاق. وقال زُفَرُ مِن قومنا: الشرط هنا يمين، ومحلها ذمّة الحالف، فتبقى ببقائها، ولا تبطل / 106 / بتطليقه إيّاها ثلاثا؛ لاحتمال عودِها إليه. فمحلُّ الطلاقِ باق عنده، فمتى دخلت وقع الطلاق. وقال الشافعي: لا يقع الطلاق. واحتج له أنه بتطليق الثلاث لها يبطل تعليق الشرط؛ لأنَّها لم يبق له محل بتنجيزه الثلاث، ولا يقوم الشرطُ إلا بمحل كالسبب، فمتى فات المحلُّ بطل التعليق؛ لأنَّ التعليق ثبت بصفة، وهي أن تكون للمعلّق شبهة

الثبوت قبل وجود الشرط، ومتى ثبت الشيء بصفة في الشرع فلا يبقى بدونها. (1)

ومن قال لزوجته: إن طلقتك فأنتِ طالق. أو قال لعبده: إن أعتقتك فأنتَ حرّ؛ فهذا باطل على الأصح، بناء على أنّ التعليق بشبهة العلّة يُبطل شبهة الإيجاب. فقوله: "إن طلقتك " علة لوقوع الطلاق؛ لأنَّ الحكم يُضم إليه. وكذا قوله: "إن أعتقتُكَ" علةٌ لوقوع العتق، فلا يصح التعليق بهما. والله تعالى أعلم.

(1) انظر: ابن نجيم، البحر الرائق، ج 4، ص 37 / الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 2، ص 239.

116