مشكاة الأصول حمد بن عبيد بن مسلم السليمي أبو عبيد

مشكاة الأصول

الجزء ١ · صفحة ١٥٠

مشكاة الأحوال

سبيله، من

كقولك: إن كان الواحد نصف العشرة فالعشرة اثنان. وهذا الشرط محال، والكلام صحيح. وإذا لم يستلزم الشرط الإمكان لم يدل على الوقوع به مطلقا، فضلا عن الوقوع ببدل. وأيضًا فإنَّ الخيرية حاصلة بالأشق؛ لما يترتب لفاعله من حصول الأجر العظيم، والعاقبة المحمودة، وليس شيء أشق على النَّفْسِ مِن بذلِ المرءِ نفسه في سبيل الله، وما ذلك إلا امتثالا لأمر الله تعالى، وطلبا لما وعده المجاهدين في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: 169 - 170]. وأيضًا فالمراد بالخيرية أو المثلية في قوله تعالى: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا، أي: في الفصاحة والبلاغة، وحسن تركيب الكلام وإبداع نظمه، إذ ليس المراد نأتِ بخير منها أو مثلها في العمل. وقيل: المراد به العمل؛ لأنَّه يتفاضل، فقتلُ النَّفْسِ في سبيل الله خالصةً لوجهه أعظم درجة من أن تصلي وتصوم وتؤدّي المفترض كما هو، وتنتهي عن المنهي كما هو، ولا تترك بابا من / 148 / أبواب البرّ إلا فعلته، لكنَّها ماتتْ في فراشها. ألَمْ تَرَ أَنَّ خالد بن الوليد حينَ حضرته الوفاة بكى. قيل له: ما يبكيك، أجزعًا مِنَ الموت؟ قال: لا والله، إِنَّ في جسدي سبعين ضربة بالسيف، لكن أبكاني أني لم أمت شهيدا، ومِتُ موتة العجائز بعدما بذلتُ نفسي جهادًا في سبيله).

ونسخ أثقل إلى أخفَّ منه، كقوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، وكانوا في صدر الإسلام إذا أفطروا مِن الصومِ وصلوا العشاء وناموا؛ فلا يأتون النساء، ولا يأكلون ولا يشربون إلى الليلة الثانية. ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى: الأُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَتُ إِلَى نِسَا بِكُمْ هُنَّ لِبَاسُ لَكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَختَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتبينَ لَكُرُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا القِيَامَ إِلَى الَّيْلِ} [البقرة: 187]. وهذه ثلاث آيات، نزلَتْ كلُّ واحدة منهنَّ على إثر قصة وسبب. فقوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَا بِكُمْ [البقرة: 187] إلى قوله: (فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ / 149 / لَكُمْ} [البقرة: 187]، نزلت في عمر بن الخطاب -رحمه الله -، وذلك أنه واقع امرأته بعدما نام. وقيل: بعدما صلى العشاء، وكان ذلك

(1) رواه أبو بكر المالكي في المجالسة وجواهر العلم من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه رقم (836)، وذكر الوراية آخرون من كتاب السير والمقالات. (2) أخرجه الطبري في تفسيره للآية المشار إليها رقم (2949)، ورواه أحمد في حديث طويل في حديث معاذ بن جبل رقم (22124).

146