مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ١٥١باب في الناسخ والمنسوخ
محجورًا. فأتى النبي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كنت جديرا بذلك يا عمره). فنزلَتِ الآية.
وأما قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا، فقد نزلَتْ في صرمة بن قيس الأنصاري)، وقد ظلَّ نهاره يشتغل، فلما آن وقت الفطر، نام، ثُمَّ جَاءَتْه امرأته بالطعام، فقال لها: لا يحل لي لأنّي نمت. فقالت له: خبت وخاب عملك. أي: هلكت بسبب أنك لا تقدر أن تصوم وأنتَ طَاوِ يومين وليلتين. فلما أصبح أخبر النبي الله، فرَقَ له رحمةً به وشفقة عليه، وكان شفيقا بأمته
فنزلَتْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187] (3).
وأما قوله: مِنَ الْفَجْرِ. فقد نزلَتْ في عَدِيٍّ بن حاتم الطائي، وذلكَ أَنَّ عَدِيًّا اتخذ عقالا أبيض وعقالا أسود، فجعل ينظر إليهما ليتبين الفجر مِن الليل، ظانًا أنَّ معنى الآية كذلك، حتى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنع. فقال له: «إنّما ذلك سواد / 150/الليل وبياضُ النهار». فنزلَ قوله تعالى: {مِنَ الْفَجْرِ (3). ونحو ذلك كثير.
ونسخ إلى غير بدل، كنسخ وجوب الصدقة عند نجوى النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك قوله تعالى: يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِمُوا بَيْنَ يَدَى نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12]، فإنَّه منسوخ بغيرِ بدل، وهو قوله تعالى: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلوةَ وَاتُوا الزَّكَوةَ} [المجادلة: 13] الآية. ومنه نسخ الوصية للوالدين بآية الميراث. وقيل: منسوخ بقوله: «قد أعطى اللهُ كلَّ حق حقه، ألا لا وصية لوارث).
ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: 284]،
منسوج بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
(1) هكذا كتب في المخطوط، والصواب قيس بن صرمة الأنصاري كما جاء عند البخاري وغيره. (2) رواه البخاري باب قوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث من طريق البراء رقم (1915)، ورواه الترمذي من طريق البراء رقم (2968)، ورواه غيرهما.
(3) رواه البخاري في باب قوله تعالى وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم .. ) من طريق عدي بن حاتم رقم (1916)، ورواه مسلم باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر من طريق عدي رقم (1090).
(4) تقدم تخريجه.
147