مشكاة الأصول حمد بن عبيد بن مسلم السليمي أبو عبيد

مشكاة الأصول

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

باب في الناسخ والمنسوخ

ومِنْ نسخ البدل قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: 5]، أي: إنَّ الملائكة يستغفرونَ لِمَنْ في الأرض. و"مَنْ " من صيغ العموم، فيدخل في المؤمن والكافر وجميع من في الأرض. ثم نُسِحَ بقوله تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7].

ومنه قوله تعالى: مَا كَانَ لِنَتِي أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُنْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 17]، منسوخ

بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَكْخَتَتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَا مَنَا بَعْدُ وَإِمَا فِدَاهُ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4].

ومن عجائب القرآن أن آية منه لا نظير لها، أولها منسوخ وآخرها ناسخ، وهي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُكُم مِّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]، بمعنى اهتديتم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهذا ناسخ لقوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ. وهوَ مِنَ الإعجاز العظيم / 153 / الذي تحار له الألباب، وتضل فيه العقول، حتى صارت هذه الآية آخرها ناسخا لأوّلها على كثرة إيجازها، وقلة كلماتها. وقيل: هو تخصيص لا نسخ؛ لأنَّ المعنى: الزموا أنفسكم، ولا يضركم لزومها إذا اهتديتم. السنّة بالسنة قوله لابنته فاطمة، وقد أتت أهل بيت تعزيهم به: «لعلك بلغت

ومثال نسخ معهم الكلا؟ فقالتْ: معاذ الله، وقد سمعتُكَ تذكر فيها ما تذكره. فهو منسوخ بقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها ولا تقولُوا هُجْرًا». وناسخُ حَجْرِ زيارة القبور أيضًا.

(2)

وقوله: «يا أهل المدينة؛ لا تأكلُوا لحوم الأضاحي ولا تدخرُوا». ثم قالَ لَهُم: «كلوا وتزودوا وادخرُوا (3). والله أعلم.

(1) رواه أبو داود من طريق عبدالله بن عمرو بن العاص باب في تعزية النساء رقم (3123)، ورواه النسائي في باب النعي رقم (1880)، ورواه غيرهما.

(2) رواه الربيع باب في القبور من طريق ابن عباس رقم (481)، ورواه الترمذي بلفظ آخر من طريق بريدة باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور رقم (1054). (3) رواه الربيع بلفظ إِنما نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَةِ التِي دَفَتْ عَلَيْكُمْ، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا» باب الذبائح رقم (621)، ورواه مسلم بلفظ قريب في بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَبَيَانِ نَسْخِهِ وَإِبَاحَتِهِ إِلَى مَتَى شَاءَ من طريق أبي سعيد الخدري رقم (1973)، ورواه البيهقي في السنن والآثار في باب لحوم الضحايا من طريق أبي سعيد الخدري رقم (19070)، ورواه آخرون.

149