مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ١٥٨مشكاة الأصول
ومن هنا نشأ الاختلاف بين أصحابنا - رحمهم الله- في الفدية، هل هي فسح للنكاح أو كالطلاق البائنِ له؟ وإلى الأوّلِ ذهبَ جابر بن زيد وابن عبّاس وغيرهما. وإلى الثاني ذهب المتأخرونَ مِن أصحابنا، فعوّلُوا إليه، وبنوا فتاويهم عليه. وكلا القولين صواب.
وثمرة الخلافِ تظهرُ بينهما فيمَنْ خالع زوجته مرارًا فوق الثلاث، فهل له أن يتزوجها من قبل / 159 / أن تنكح زوجا غيره؟ فعلى مذهبِ مَنْ يراه فسخًا - وهو مذهب جابر وابنِ عباس رحمهما الله - إِنَّ لَه تزوجها ولو خالعَها مئة مرّة؛ لأنَّهما لا يجعلان الخلع طلاقا. ونص التحريم في المطلقة ثلاثا. وعلى مذهب مَنْ يراه طلاقًا إذا خالعَها ثلاثا حرُمَتْ عليه حتَّى تَنكَحَ زوجا غيره، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ أي: الطلقة الثالثة فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} أي: مِنْ بعد الطلقة الثالثة حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230].
وروى أبو رزين العقيلي أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن الطلقة الثالثة فقال: أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَن [البقرة: 229]. وهو مذهب أكثر أصحابنا، وعليه فتاويهم.
وذهب الشافعي مِنْ قومنا أنَّ الخلع فسخ، فوصل قولَه تَعَالَى: ﴿طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بعد﴾ [البقرة: 230] بقوله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]. وجعلَ ذِكْرَ الخلع وهو قوله تعالى: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا اتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلى قوله: ﴿فَأُولَيكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229] معترضا. ولم يجعل الخلع طلاقا، بل جعله فسخًا، لئلا يصير الأولانِ مع الخلع ثلاثة، ويصير قوله تعالى: فَإِن طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] رابعا. وهو خلاف الواقع؛ لأنَّ الطلاق لا يزيد على الثلاث. وقال الشافعي: إِنَّ المختلِعَة / 160 / لا يلحقها صريح الطلاق. (1)
ورد عليه شارح المنار بأنَّه يبطُلُ موجبُ الخاص على مذهب الشافعي، فلا يكون الخاص معمولا به، وهو باطل؛ لأنَّ الله تعالى ذكر الطلاق المعقب للرجعة مرتين، ثُمَّ ذكرَ افتداء المرأة. وفي تخصيص فعلها هنا تقرير فعل الزوج على ما سبق وهو الطلاق. فقد بَيَّنَ نَوعَيْه أَنَّه يكونُ بمال ويكون بغيرِ، مال، لا كما قال الشافعي: إِنَّ الافتداء فسخ. فإنَّ ذلك زيادة على النّصّ؛ لأنَّ
(1) انظر الماوردي الحاوي الكبير، ج 10، ص 19.
154