مشكاة الأصول حمد بن عبيد بن مسلم السليمي أبو عبيد

مشكاة الأصول

الجزء ١ · صفحة ١٥٩

باب الخاص

الافتداء غير دال على الفسخ، بخلاف الحمل على الطلاق؛ لأنَّ الطلاق مذكور في أول الكلام، ثُمَّ قال: فَإِن طَلَقَهَا} [البقرة: 1330]، أي: بعد المرتين، سواء كانتا بمال أو بغير مال. ففي اتصال الفاء

بأول الكلام وانفصاله عن الأقرب فساد التركيب في النظم، وهو محال في كتابِ اللهِ تعالى.

(1)

ومنه اختلاف أصحابنا - رحمهم الله - في رجل طلق امرأته واحدة أو اثنتين، ثُمَّ انقضَتْ عدتها وتزوَّجَتْ آخَر، وبعدما دخل بها طلقها أو مات عنها، فعادت إلى الأول بنكاح جديد، بكم تعود معه مِنَ الطلقات؟

قال أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن جابر بن زيد أنَّ ابن عبّاس كان يقول نكاحا / 161 / جديدا، وطلاقًا جديدًا. فعلى هذا القول تعود بثلاث طلقات. وكان بعض أصحابنا يقولُ: إنّها تعود إليه بما بقي من طلاقها. ويُروى ذلك عن كثيرٍ مِنَ الصحابة.)

(2)

وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف - وهما من قومنا - بأنها تعود إليه بثلاث تطليقات. وذهب الشافعي ومحمد وزفرُ بأنَّها تعود إليه بما بقي عنده من طلاقها.

ومبنى الخلاف في المسألة على أنَّ الزوج الثاني في الطلقات الثلاث هل هو مثبت للحلّ، أو غايةٌ للحرمة الغليظة؟ فمَنْ ذهب أنَّه محلل قال: فبالأُولَى أنْ يُكمل الحل في الطلقة أو الطلقتين كي تعود إلى الأول، ويملكها بالطلقات الثلاث. ومَنْ ذهب إلى أَنَّه غايةٌ للحُرْمَةِ الغليظة غيرُ محلل إلا في الطلقات الثلاث كما نصَّتِ الآيةُ في قوله تعالى: فَإِن طَلَّقَهَا. أي: الطلقة الثالثة فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 23]، فجعل الزوج الثاني غاية للحرمة الثابتة بالطلقة الثالثة، فكلمة "حتى" موضوعة للغاية، وهي غير مؤثرة في الحلّ، بل مُنهيةٌ للحُرمةِ الغليظة فقط. وإنما ثبت الحلُّ بعدها للسبب السابق، وهو كونها امرأة أجنبية. فالقول بأنه مثبت للحل ليس عملا بالكتاب، / 162 / ولا بيانا له؛ لأنَّ "حتى" خاص معلوم معناه، وهو النهاية. فكونُ وجود الزوج

(1) انظر: ابن ملك، منار الأنوار، ص 19. (2) انظر: أبو غانم، المدونة، ص 255 - 256.

155