مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ١٦٠مشكاة الاجمل
الثاني وعدمه قبل الثلاث سواء، إذ لا وجود للغاية قبل وجود المغيّى، وجعله مثبتا حلًا جديدًا، يقتضي خلافه. فعلى هذا المذهب لا يكون الزوج الثاني محلا إلا في الطلقات الثلاث.
لكن أجابَ مَنْ أجاز البيان للخاص أنَّ تحليلية الزوج الثاني ثبتت بحديث العُسيلة، وهو أنه قال لامرأة رفاعة وقد طلقها ثلاثا، فتزوَّجَتْ بعبد الرحمن بن الزبير - بفتح الزاء مشدّدة، وكسر الباء، وإسكان الياء، بعدها راء مهلمة - والزبير هذا رجل يهودي قُتِلَ في بعض الغزواتِ - هكذا إن صح ما نُقل عنه -: «أتُريدين أن تعودي إلى رفاعة؟ فقالَتْ: نعم. قال: لا، حتّى تذوقي من عُسَيْلتِه ويذوقَ مِنْ عُسَيْلَتِك (). فقد غنّى بعدمِ العَوْدِ بذوقِ العُسيلة، فمتى وُجد الذوق وجد العود، والعود رد إلى الحالة الأولى، وهو حالة حادثة لا بالسبب السابق؛ لأنَّه كان ثابتا، والعود لم يكن ثابتا. فتلك الحالة لا تكون إلا حلًا جديدًا. والذوق علة للعود، فيثبتُ / 163 / به الحل الحادث؛ لأنَّ حدوث العلة يسلتزم حدوث المعلول، فيكون الزوج مثبتا للحل الذي عُدم، فتعود بثلاث طلقات. فلو كان ثبوتُ الحِلّ بالسبب السابق لم يكن الزوج الثاني محلّلا، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم محللا حينَ قالَ: «لَعَنَ الله المحلل والمحلَّلَ لَه (2).
فتخلَّص من هذا أنَّ القائلينَ أنَّها تعود إلى الأولِ بثلاث طلقات قالُوا: إِذَا جَازَ أَنْ يَحلَّ الزوج الثاني ثلاث الطلقات فبالأولى أنْ يُحِلَّ الطلقة والطلقتين، ولا يكون مكملا للحل حق يحلُّ جميعه، فتعود إليه كما كانَتْ أولا بنكاح جديد؛ لأنَّها أجنبية منه، ونكاح الأجنبية هكذا حكمه. وتمسك الأوّلون بأنَّ حكم التحليلِ مِنَ الزوج الثاني مُناطٌ بغاية، وهي الطلقة الثالثة، فمتى وُجدَتْ وجد حكم التحليل، ومتى لم توجد فهو في حكم المعدوم، وخلافُ هذا خلاف لنص الكتاب. ومنه: اختلافهم هل يلحق الطلاق الخلع بناءً على أنَّ الخلع طلاق، والطلاق يلحق الطلاق ما دامَتْ في العِدّة أو لا يلحقه بناء على أنَّ الخلع فسخ للنكاح، فحالة الفسخ كحالة النسخ؟ قولان.
(1) رواه البخاري باب شهادة المختبي من طريق عائشة رقم (2639)، ورواه مسلم باب بَابُ لا تحل المطلقة ثلاثا مُطَلَّقَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَه رقم (1433)، ورواه آخرون. (2) رواه أبو داود باب في التحليل من طريق علي رقم (2076)، ورواه ابن ماجة بلفظ قريب وزيادة من طريق عقبة بن عامر باب المحلل والمحلل له رقم (1936).