مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ١٦٢مشكاة الاحتمال
وأوجب مالك الموالاة في الوضوء - أي تتابع غُسْلِ الأعضاء قبل أن تجف - وجعله شرطًا لصحة الوضوء، محتجا بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم واظب على الموالاة في الوضوء، فيكون هذا بيانا للآية.)
(1)
وأوجب الشافعي الترتيب في الوضوء، وهو كون الثاني واقعا بعد الأوّل، وجعله شرطًا لصحة الوضوء، محتجاً بقوله: لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه ثمَّ يديه (). وجعل الحديثين بيانا للآية، بناءً على أنَّ الخاص يجوز بيانه عندهما. (3)
(4)
(2)
وجوابهما / 166 / أنَّ هذه أخبار أحادية، لا تكون بيانا للخاص؛ لأنّ حكم الخاص القطع، ودلالة الآحاد ظنّية، فكيف تكون بيانا للقطعي. ومن هنا نشأ الاختلاف بين أصحابنا - رحمهم الله - في الموالاة والترتيب في الوضوء، هل يكونان شرطين لصحة الوضوء أم لا؟ قولان.
وفي مدوّنة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني قال: "سألتُ الربيع بن حبيب - رحمه الله - فيمن يقطعُ وضوءه، مثلا يغسل وجهه ثم يديه، ثم يمسح رأسه، فيسيرُ فَيُبْعِد في السير، ثم بعد ذلك يغسل رجليه، كيف حكم وضوئه؟ قال الربيع بن حبيب: يُعيدُ وضوءه. وقال أبو المؤرّجِ وأبو المهاجر وابنُ عبد العزيز: يغسل رجلين فقط. وكذا إن غسل شيئًا دونَ شيء؛ بنى على ما غسل، واستقبل ما بقي، وليس هذا بحدث ينقض وضوءه.
قال: وسألت الربيع بن حبيب: أيقدَمُ الرَّجُلُ شيئًا دونَ شيء في الوضوء؟ قال: لا يفعلُ ذلك، لكن يتابع وضوءه كما جاءَ في السنة. وقال عبد الله بن عبد العزيز عن أبي نوح صالح الدهان عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة: لا أبالي بأي عضو بدأتُ إذَا أنقيْتُ " ().
هَذَا
(1) انظر: ابن رشد الحفيد، بداية المجتهد، ج 1، ص 24 / المواق، التارج والإكليل، ج 1، ص 322. (2) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ثم وجدت كلاما لابن الملقن في البدر المنير بعد أن ساق الحديث هذا نصه: الحديث غَرِيب بِهَذَا اللَّفْظ، لا أعلم من خرّجه كَذَلِك». (انظر: ابن الملقن، البدر المنير، ج 1، ص 683). (3) انظر: الماوردي، الحاوي الكبير، ج 1، ص 138. (4) لا يخفى أن الحديث الأحادي له، متعلقان، فهو من حيث سنده وثبوته ظني، أما من حيث دلالته فقد يكون قطعيًا وقد يكن ظنيا، ومن هنا جاز تخصيص الحديث الأحادي لعموم النص القرآني كما هو مذهب الجمهور. وبهذا يظهر لك أن عبارة المصنف تحتاج إلى تقييد وضبط.
(5) انظر: أبو غانم المدونة، ص 47.
158