مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ١٦٤مشكاة الأحمل
وجعل مالك أيضًا الباء في قوله تعالى: (يره وميكم) (اعة زائدة، ورد بأن إلقاء الحقيقية مع إمكانها لا يجوز وقد أمكنتِ الحقيقة هاهنا؛ لأنَّ حقيقة الباء الإلصاق، وهو حاصل في مسح الرأس.
وقاس مالك أيضًا آية الوضوء على آية التيمم، وهي قوله تعالى: ﴿فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِنْهُ﴾ [المائدة: 1]. ورُدَّ بأنَّ هذا القياسَ لَيسَ بشيء، إذ لا قياس بين الأصل والبدل.
وذهب الشافعي إلى أنَّ المفروض في مسح / 169 / الرأس أقل ما يُطلق عليه المسح، ولو شعرة؛ لإطلاق قوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ}، والمطلق يسقط بأدنى ما يصدق عليه اسمه. ورُدَّ بأنَّه لو كان كذلك لفَعَلَه ولو مرة في العمر، لإسقاط الواجب، لكنه لم يمسخ ما دونَ النَّاصية قطعا، وليس في الشرع واجب أو جائز لم يبينه الشارع بفعل أو بتعليم، بل الذي فعله صلى الله عليه وسلم مسح رُبع الرأس مرة، واستيعابه
أخرى. وأيضًا فلا يمكن المسح على شعرة إلّا بالزيادة عليها، وما لا يمكن الواجب إلا به فهو واجب.
وكذا جعل الشافعي الباء للتبعيض، فيفيدُ جواز مسح الأقل مِن الرُّبع.) وأجيب بأنَّ جَعلَها للتبعيض يُفْضِي إلى الترادف والاشتراك. أما الترادف فبكلمة "من" لأنَّها موضوعةٌ للتبعيض. وأمَّا الاشتراك فلأنَّ الباء موضوعةٌ للإلصاق، فلو كانَتْ حقيقة في التبعيض لَزِمَ الاشتراك. وكلاهما غير جائز في الباء لغة.
وخُلاصة القول: أنَّ الأدلة السمعية أربعة أنواع:
قطعي الثبوتِ قطعي الدلالة، كالآياتِ المفسرة والمحكمة والمبينة، وكالنصوص التي لا تَحتَملُ تأويلا، وإنما / 170 / تأويلها تنزيلها، وكالسنّة المتواترة وما تلقته الأمة منها بالقبول 170/ قولا أو فعلا أو تقريرًا. وقطعي الثبوتِ ظني الدلالة، كالآياتِ المؤولة، والأحاديث الصحيحة المؤولة). وظنّي الثبوتِ قطعي الدلالة، كالأخبار الأحادية التي مفهوماتها قطعية. وظنّي
الثبوتِ ظني الدلالة، كالأخبار التي مفهوماتها ظنّيّة.
(1) انظر: الرعيني مواهب الجليل، ج 1، ص 292. (2) يراد بالصحيحة هنا المتواترة فهي القطعية التي تقابل الآحاد كما يظهر لك ذلك من خلال السياق اللاحق.
160