مشكاة الأصول حمد بن عبيد بن مسلم السليمي أبو عبيد

مشكاة الأصول

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

مشكاة الاحوال

فالعلاقة في الأول إطلاق السبب على المسبب؛ لأنَّ صلاة الله رحمته، وهي سبب الحصول الاستغفار من الملائكة. والعلاقة في الثانية المشابهة في الانقياد.

وقيلَ: إنَّ لفظ الصلاة ولفظ السجودِ ليسا من المشترك. ومنع كون الصلاة مشتركًا بينَ الرَّحمةِ والاستغفار والدعاء لأنَّه لم يثبت عن أهلِ اللُّغةِ ذلك، بل حقيقة في الدعاء. وهنا لا يمكن أن يُحمل على الدعاء، فحُمِلَ على العناية بشأن النبي، إظهارا لشرفه، مجازا مرسلا، من باب إطلاقِ الملزوم على اللازم، إذ الاستغفار والرحمة يستلزمان الاعتناء. وما قيلَ مِن إِنَّ تقدير الآية "إِنَّ اللهَ وملائكته يصلون فلا يعم المشترك" فاسد؛ لأنَّه حذف بلا دليل، إذ "يصلون" لا / 185 / يصلح أن يكون دليلا على "يصلي"؛ لأنَّه ليس بمعنى يصلُّون. ولهذا لا يقال: "زيد وعمرو يضرب" على معنى "زيد يضرب وعمرو يضرب "؛ إذا كان المراد من أحدهما الضرب في الأرض، أي السفر، ومن الآخَرِ استعمال آلة الضرب وليس في آية الصلاة دلالة إلا الاقتداء بالله وملائكته في الصلاة على النبي، فلا بد من اتحادِ معنى الصلاة من الجميع، وبدون اتحادِ المعنى يفسد تركيب النَّظم؛ لأنه لو قيلَ: إنَّ الله يرحم النبي، والملائكة يستغفرون له يا أيها الذين آمنوا ادعوا لكان الكلام في غاية الركاكة. فظهر أنَّه لابد من اتحادِ معنى الصلاة، سواء كانَتْ معنى حقيقيًا أو مجازيًا، فالحقيقي هو الدعاء. والمراد - والله أعلم - أنَّ الله يدعو ذاته بإيصال الخير له، ثُمَّ مِن لازم هذا الدعاء والرحمة.

فالقائلُ بأنَّ الصلاةَ مِنَ الله الرحمة أرادَ لازمها، كما في قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ot] . فالمحبة من الله إيصال الثوابِ للعبد، ومن العبد الطاعة لربه. وليس المراد أنَّ المحبة مشتركةٌ من حيثُ الوضع، لكنَّ المراد لازِمُها. والمعنى المجازي / 186 / كإرادة الخير له ونحوه مما يليق بمقامه ومنع كون لفظ السجودِ مِن المشتَركِ مِنْ حيثُ إِنَّ السجودَ غيرُ ممتنع أن يراد به وضعُ الرأس على الأرضِ مِنَ العقلاء وغيرهم، ولا يستحيل ذلك من إلا عند من حكم باستحالة التسبيح واستحالة الشهادات من الجوارح يوم القيامة، وقد نطق بذلك محكم التنزيل؛ لقوله تعالى: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِعَهْدِهِ} [الإسراء: 44]، ولقوله تعالى:

وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللهُ الَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: 21]. (1)

(1) انظر السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 283 - 285.

الجمادات

170