مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ١٧٦مشكاة الأحول
المماثلة بالذات أو بالقيمة على ما مرَّ من تفسير المماثلة. وكما يحتاج التقويم إلى اجتهاد؛ تحتاجُ المماثلة) ثلةُ في الصُّورة؛ لأنَّهَا قد تخفّى، ولأنَّ الصيد قد يشبه نوعين أو أنواعا من النعم. فيحققان الشبة الراجح إلى أشبه
الأشياء به، فيحكمان به، ويكون العدلان الحكمان مسلمين؛ لقوله تعالى: ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ} (ماده 9]. ورَوَى ميمون بن مهران أنَّ أعرابياً سأل أبا بكر أنّي أصبتُ منَ الصَّيْد كذا، فما جزاؤه؟ فسأل أبو بكر أبي بن كعب - رضي الله عنهما -. فقال الأعرابي: أنا أسألك وأنت تسألُ غيرك!
فقال أبو بكر: ما أنكرتَ من ذلك والله يقول: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} [المائدة: 95] (1). ورُوِيَ أَنَّ قبيصة أصابَ ظبيا وهو محرم. فسأل عمر بن الخطاب، فشاور عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهما -، فأمره بذبح شاة. ثُمَّ قال قبيصة: والله ما علم أمير المؤمنينَ حَتَّى سأل غيره! فعلاه عمر بالدرة قائلا له: / 189 / أتقتل الصيد وأنتَ مُحرم، وتُغمِضُ الفتيا - أي: تحقرُها -! قال الله تعالَى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ} [المائدة: 95]. فأنا عمر وهذا عبد الرحمن، والحكمان مخيّران يحكمان بما شاآ من هدي أو طعام أو صيام.
وهل يصوم المبتلى عن كل مد يوما، أو عن كلّ مدين يوما؟ قولان. ويصوم حيث شاء؛ لأنه لا منفعة فيه للفقراء. وقال أحمد بن حنبل وزفرُ من أصحاب أبي حنيفة: لا يجزيه الإطعام إلا إن لم يجد هديًا. ولا يجوز الصوم إلا إنْ لم يجد طعامًا. وعندهما أن ذلك على الترتيب كما في الآية. ويُروى ذلك عن ابن عبّاس. ورُوِيَ عنه التخيير، وهو المشهور.
لفظ
وقال القطب بن يوسف - رحمه الله -: "والأولى أن يخير في الهدي والإطعام، ولا يصومُ إِلَّا إِنْ لَمْ يجدهما. وقيل: يخيرُ الحكمان مَنْ صادَ في أنْ يُهدِيَ أو يُطعم أو يصوم، فما اختاره حكما عليه بما لزمه منه. وقيلَ: يُقوَّمُ الصيد طعاما لا دراهمَ - وقال القطب: إنْ قُوْمَ دراهم فاشترى به طعامًا
رجوْتُ أنْ يكونَ واسعا (2). والله تعالى أعلم.
(1) رواه ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران رقم (6805). (2) انظر: القطب، هميان الزاد، ج 5، ص 589.
172