مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ١٧٨مشكاة الأحمال
كاذبا، إذ لو فرضناه في الكلّ كان الحكم كاذباً؛ لكون مجموع الأفراد لا يشبعه رغيفان، بل / 191 / يشبع بعض أفراد المجموع غالبا. بخلافِ "كل رجل يحمل الصخرة العظيمة"، فالكل هنا صادق مِنْ حيث إنَّ المجموع قادر على حمل الصخرة العظيمة. والكلية كاذبة لكونِ بعض الأفراد لا يقدر أن يحمل الصخرة العظيمة.
والفرق بين الكل والكلّيّة: فالكل هو الحكم على المجموع من حيث هو مجموع، نحو: كل رجل يحمل الصخرة العظيمة. فالحكم هنا على مجموع الأفراد أنَّهم يحملون الصخرة العظيمة، إذ لا يصدق الحكم على فرد من أفراد المجموع؛ لكون الفرد لا يستقل على حملها، ولا يصح الحكم أن يكون كاذبا، إذ لو فرضناه على الفرد لبَطَلَ الحكم؛ لعدم استقلاله بحملها. فظهر أنَّ الحكم هنا لا يكون صادقًا إلا على المجموع.
والكلية هي الحكم على كل فرد فرد. نحو: كلُّ رجل يشبعه رغيفان غالبًا. فالكلية هنا صادقة؛ لكون الفردِ يُشبِعُه رغيفان غالبا، والكلُّ هنا كاذب؛ لكون المجموع لا يُشبعه رغيفان. وفي نحو: كل رجل يحمل الصخرة العظيمة. فالكلية هنا كاذبة؛ لكون الفرد لا يستقل على حمل الصخرة العظيمة. والكلُّ هنا صادق؛ لكون المجموع يستقل على حملها، إلَّا إذا فرضناه على المعنى المجازي / 192 / كما قررناه بأن يطلق على المجموع ويراد منه بعضه. وأصل هذا الحكمِ مأخوذ من قوله كلُّ ذلك لم يكن»، وذلك في قصة ذي اليدين، وهو أنه صلى بهم الظهر جماعة - وقيل: صلى بهم العصر - فسلَّم من الركعتين ناسيا. وكان في المأموين رجل اسمه خرباق، يلقب بذي اليدين لطولهما، فقال: أقصُرَتِ الصلاةُ أم نسيت يا رسول الله؟ فقال: كلُّ ذلك لم يكن». ثُمَّ قال لأبي بكر وعمر وغيرهما: «أصدق ما يقول ذو اليدين؟» فقالوا: نعم. فبنى على الصلاة وأتم بهم، ثمَّ سجد للسهو). وهل سجدَ قبل التسليم أو بعده؟ قولان. وكان نسيانه صلى الله عليه وسلم تشريعا للأمة، لا من الشيطان، فإنَّه لا سبيل له عليه. فقوله: «كل ذلك» إشارةٌ مِن قَصْرِ الصلاةِ والنسيان «لم يكن». وإنما كان الحديث من باب الحكم على المجموع؛ لأنَّه المنفي في نفس الأمر لثبوت أحدهما،
(1)
(1) رواه البخاري في باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره من طريق أبي هريرة رقم (482)، ورواه مسلم من طريق أبي هريرة باب السهو في الصلاة والسجود له رقم (573)، ورواه مالك في الموطأ والبيهقي وأحمد وغيرهم.
174