مشكاة الأصول حمد بن عبيد بن مسلم السليمي أبو عبيد

مشكاة الأصول

الجزء ١ · صفحة ١٨٣

باب في الكل والكلية

حُجّةُ الأولين أنَّ الضمير أعرفُ المعارف، وأجمعُ النّحاةُ على ذلك، فلو كان كليا لكانَ نكرة، وإنما كانَتِ النكرة نكرة من حيث أن مسمّاها كلّيّ مشترك، فيه أفراد غير متناهية، لا يختص به واحد منها دون آخر، والمضمر ليس كذلك. وأيضًا لو كان المضمَرُ كليا لكان دالا على ما هو أعمُّ مِن الشخص المعيَّن. والدال على الأعم غير دال على الأخص المعين، فليزم أن لا يدلَّ المضمَرُ على شخص معيّن.

/ 199 / قال القرافي: والذي أجزم بصحته أنَّ المضمر مسماه كلّيّ، ووجهه أنَّه لو كان مسماه جزئيا لما صدق على شخص آخر إلا بوضع آخر، كالأعلام لما كان مسماها جزئيا لم تصدق على غير مَن وُضِعَتْ له إلَّا بوضع آخر، فهذا خلاف الواقع في المضمر.

إيضاحه: أنَّ لفظ "أنا" قدر مشترك بين المتكلم وغيره، بلا وضع متحدّد. والمشترك كلّيّ، فلفظ "أنا" حقيقة في كل من قال "أنا" بلا وضع مستقل؛ لأنَّه المتكلّمُ بها الذي هو مسمى اللفظ، فينطبق ذلك على الواقع، فلا يدلُّ لفظ "أنا" على شخص معين إلّا بالواقع مع التخاطب. فإذا

قال القائل: "أنا" مثلا؛ فَهِمَ هؤلاء الواقع أنه لم يقل هذا اللفظ إلا هو، هو، ففهمناه بالواقع

لا

بالوضع بإزائه. وكذلك المضمرات. وأيضًا لو فرضنا أن جماعة قالُوا: "أنا" في وقت واحد، بأصوات متشابهة، بحيث لم يميّز الواقع واحدًا منهم عن واحد؛ لم يُحكم على واحد منهم بعينه. وكذا إن قلت لجماعة بين يديكَ أنتَ أخاطب" بحيث استوث نسبتك ومواجهتك لهم جميعا لم يفهم أحد منهم أنَّه المقصود بذلك، وإنما يفهم إذا حضر الواقع / 200 / المخاطبة فيه، كأن يشير إليه. فلما كانَ الغالب من ذلك حصر الواقع مسمّى اللفظ في شخص معين عندَ التخاطب، فيفهم هو ذلك؛ أجمعَ النُّحاةُ بهذا الاعتبار أنَّها معارف. والله أعلم (1) (2)

(1) انظر: القرافي، شرح تنقيح الفصول، ص 35. (2) للاطلاع على تفاصيل هذه المصطلحات التي لخصها المصنف؛ ينظر: القرافي، شرح تنقيح الفصول، ص 30 وما تلاها.

179