مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ١٨٩باب المطلق والمقيد
عبد مدا»، فهذا مطلق. وقوله: أدوا عن كلّ حرّ أو عبد مِن المسلمين مُدًّا. فالسبب في الحديثين مختلف، والحكم متفق؛ لأنَّ السبب في الحديث الأول عام، وفي الحديث الثاني خاص بالمسلمين، والحكم متفق وهو الأداء.
ومثال اتفاقهما سببا لا حكما / 206 / آية الوضوء وآيه التيمم، فالسبب في الآيتين متفق، وهو الحدث، والحكم فيهما مختلف فاليدان في آية الوضوء مقيّدة بالمرفقين، وفي آية التيمم مطلقة. وأيضًا فإنَّ الحكم في آية الوضوء وجوب الغسل، وفي آية التيمم وجوب المسح، فحكم الوضوء أشدُّ مِن حكم التيمم.
وعن لنا أن نورة أمثلة في المطلق والمقيد، منها قوله تعالى: (حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيرَة) [البقرة (230]، أي: إذا طلقها الطلقة الثالثة؛ فلا يحلُّ تزويجها له حتّى تتزوج زوجًا غيره، كما قالَ اللهُ تعالَى: فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، فإنَّ الآية مطلقة؛ لاحتمال أنْ يُراد بالنكاح العقد اللفظ، أو العقد مع الدخول ومجامعة المدخول بها. لكن قيدها الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام-، وهو قوله لامرأة رفاعة حين سألها: «أتريدين أن تُردّينَ (2) إلى رفاعة؟ فقالت: نعم. فقال: لا، حتى تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك (3). فالآية محمولة على الحديث. وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب: يجوز أن تُردَّ إلى الأول لمجرد
(2)
(1) الحديث روي بقيد وبغير قيد كما أشار المؤلف فممن رواه بغير القيد الربيع في مسنده من طريق عائشة رضي الله عنها في باب النصاب رقم (333) ورواه مسلم في باب زكاة الفطر على المسلمين من طريق ابن عمر رقم (984)، ورواه البيهقي في السنن الكبرى باب إخراج زكاة الفطر عن نفسه رقم (7675)، أما رواته بالقيد فهم كثر منهم البخاري في باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين من طريق ابن عمر رقم (1504)، ورواه كذلك مالك في الموطأ باب مكيلة زكاة الفطر من طريق ابن عمر رقم (52)، وغيرهم.
(2) هكذا أثبت المؤلف هذه اللفظة، ولم أقف عليها في مصنفات السنة، وقد وجدته في مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم بلفظ: «أتريدين أن ترجعين إلى رفاعة»، وقد تقدم ذكر الحديث سابقا بلفظ: «أتريدين أن تعودي
إلى رفاعة؟».
(3) تقدم تخريجه.