مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ١٩٣باب الأمر
غير مأمور به، فمن اعتبر أنَّ حكم الأمر الوجوبُ؛ قال: المندوب غير مأمور به؛ لأنَّه غيرُ واجب. ومَنِ اعتبر أنَّ المندوب مطلوب فعله، والأمرُ هو طلب فعل؛ فقد شاركه في الطلب، فسماه أمرًا بهذا الاعتبار، فالأمر هو إلزام ما فيهِ كُلفة. والمندوب هو طلب / 210 / ما فيه كلفة. والفرق بينهما ظاهر. والله أعلم. (1)
فصل حكم الأمر]
وحكم الأمر الوجوب - عند الجمهور - ما لم تصرفه قرينة إلى الندب، لقوله تعالى لإبليس: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمرتك} [الأعراف: 12]. فعاقبه بالطرد واللعن. فلو لم يكن الأمر للوجوب ما عاقبه بذلك، ولكان له العذر؛ لجواز أنْ يقول: إنَّ هذا الأمر ندب؛ تاركه لا يُقَصِّر. ولقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ: أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ اليم} [النور: 13]. فقد هدد الله تاركي أمره بإصابة الفتنة والعذاب الأليم. ولقوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ هُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48]. فقد ذم الله تارك الركوع، وسماه مجرما. ولقوله له له ولأبي سعيد الخدري (2): «ما منعَكَ أنْ لا تستجيب لي إِذَا دعوتُك، وقد قالَ اللهُ تعالَى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24] (3). فلو لم يكن الأمر للوجوب لما أنكر له على أبي سعيد ترك الاستجابة له، لاسيما وهو في الصلاة، وقد
،
(1) انظر السالمي الطلعة، ج 1، ص 119 - 120. (2) الصواب أنه أبو سعيد بن المعلى كما جاء ذلك في رواية البخاري وغيره كما سيأتي في التخريج، وقد ورد أنها. وقعت لأبي بن كعب كما جاء ذلك عند الترمذي، يقول البدر الخليلي في جواهره: «وأبو سعيد راوي الحديث هو غير أبي سعيد الخدري الصحابي المشهور، وقد التبس على كثير من المفسرين والأصوليين فنسبوا القصة إلى أبي سعيد الخدري ومن هؤلاء الفخر الرازي والإمام الغزالي والقاضي البيضاوي والآمدي والبدر الشماخي ونور الدين السالمي. (انظر: الخليلي، جواهر التفسير، ج 1، ص 202). (3) رواه البخاري في باب ما جاء في فاتحة الكتاب من طريق أبي سعيد بن المعلى رقم (4474)، ورواه الترمذي باب ما جاء في فضائل سورة الفاتحة من طريق أبي بن كعب رقم (2875)، ورواه آخرون.
189