مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ١٩٦مشكاة الأمل
مُقَيَّد / 213 / بوقت، وهو قسمان: موسع، كالصلاة والحج. ومضيَّق، كالصوم. والفرق بينهما: إن استغرق الفعلُ الوقت فهو المضيق، ولا خلاف في أنَّ الوجوب متعلق بجميع وقته. وإن لم يستغرقه كالصلاة؛ فهو الموسع، وفيه الخلاف، هل الوجوب متعلق بأوّل الوقت، وعليه الشافعي، أو بآخره، وعليه الحنفي، أو بجميع الوقت، وهو مذهب أصحابنا - رحمهم الله -، وعليه الجمهور، محتجين بحجج عقلية ونقليّة.
فالعقليّة هو أنَّ الوجوب لو تعلّق بأوّلِ الوقتِ لزم العصيان بالتأخير إلى آخره. ولو تعلق بآخر الوقتِ لزِمَ منه تقديمه الواجب قبل وقته، كتقديم الظهر قبل الزوال، وهو باطل. والنقلية؛ قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيلِ﴾ [الإسراء: 78]، فإنَّ القيام متناول لما بين الدلوك والغسي تناولا واحدا. وتخصيص تناوله لأحد طرفي النَّهارِ دونَ الآخر بلا دليل باطل. ومُقَيَّدٌ بِوَصْفٌ، وهو قسمان: مقيّد بوصف ثابت شرعًا، كقطع يد السارق، وحد الزاني والقاذف وشارب الخمر، وكالغُسل من الجنابة. وهذا يقتضي تكرار المأمور به اتفاقا. ومقيد / 214 / بوصف غير ثابت شرعًا، نحو: اصعد السطح إنْ كانَ السُلّم مركوزًا، وحج بيت الله راكبًا. فهذانِ وصفانِ غير ثابتين شرعًا. ولذلك اختلف فيه؛ هل يقتضي تكرار المأمور به إلحاقا بالأول، أو لا يقتضيه لعدم ثبوتِ الوصفِ شرعًا، وهو الصحيح.
ومقيد بعدد، وهو قسمان: مختلف لفظا ومعنى كصل ركعتين، أو صل أربع ركعات، وهذا لا يقتضي التكرار اتفاقاً؛ لاختلافه لفظا ومعنى. ومتفق لفظًا ومعنى، كصل ركعتين، صلّ ركعتين، أو صل أربع ركعات، صل أربع ركعات، وهذا يقتضي التكرار عند الجمهور؛ لما قدمناه من أنَّ حكم الأمر الوجوب حقيقة وشرعا، وهذا الحكم لا يفارقه، مفردًا كان أو مكرّرًا، وتكراره ليس دليلا على انتقاله عن حكمه الأصلي الثابت بالدليل القطعي. وأيضًا فالتأكيد اللفظي قليل الدورانِ في ألسنة العرب فقل ما يؤكدون زيدًا بلفظه، فإن أرادوا تأكيده أكدوه بالنَّفْسِ أو بالعين. وأيضًا فإن وُجد بين الأمرين عطف ازداد الحمل ضعفًا فوق ضعفه السابق لما بين المتعاطفين من المغايرة، فلا يقال: جاء زيد / 215 / وزيد، إلّا إذا كان زيد الثاني غير الأول. أو تفسيرا له، نحو
192