مشكاة الأصول حمد بن عبيد بن مسلم السليمي أبو عبيد

مشكاة الأصول

الجزء ١ · صفحة ١٩٧

باب الأمر

Grass

قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ} [الأنبياء: 48]، فالفرقان تفسير الكتاب. وقيل: لا يقتضي التكرار. وقيل: يقتضيه إن وُجِدَ عطف بين الأمرين. وقيل بالوقف لتعارض الأدلة. والصحيح الأول، وعليه الجمهور؛ ما لم تصرفه قرينة، سواء كانَتِ القرينة شرعيَّة، نحو: صم اليومَ صُمِ اليوم، أعتق عبدك أعتق عبدك، فإنَّ الشرعَ لَم يجعل لليوم الواحد صومين، ولا للرقبة الواحدة عتقين. أو عقلية، نحو: اقتل زيدًا اقتل زيدا، فإنَّ العقل يأبى تكرر القتل. أو حاليَّة، كقول السيد لعبده: اسقني ماءً اسقني ماء. فالمعلوم من حال السيد أنَّه لم يُرِدْ تكرر السقي. أو عاديّة، كأن يعلم مِنْ أحدٍ عادة في تكرار كلامه، كقوله لزوجته: أنتِ طالق طالق طالق في نسم واحد، فتكرارُه يُحمل على عادته. أو تعريفية، كأن يعاد الأمرُ الثاني لتفهم المأمور، وتبيين المطلوب، كصل ركعتين، صل ركعتين. فالأمر الثاني عين الأول. ومقيّد بغاية، / 216 / نحو: أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيلِ} [البقرة: 187].

ومقيد بتأبيد، نجو: صلُّوا أبدا، وصوموا دائما. وحكم هذا النوع اعتبارُ ما قيد به، فالواجب في قوله: "صلوا أبدا" الصلاة أبدا، و"صوموا دائما" الصيام دائما.

وأمَّا المطلق؛ فهوَ ما ورد مجردًا عن القيود والقرائن، كالزَّكاة والحج.

واختلفوا هل يقتضي الفور فيهما؟ وعليه ابن بركة من أصحابنا)، والقرافي من قومنا (3)، محتجين بقوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133]. وبأنَّ الأمر يقتضي الفورية عقلا، كالنهي.

أو يقتضي التكرار أو لا يقتضيها معا، وعليه الجمهور؛ لأن مدلولات الفعل أجناس، والأجناس لا تُشْعِرُ بالوحدة ولا بالكثرة. ومِن ثَمَّ لا تُثنى ولا تُجمَع. وحسن استعمالها بلفظ واحد في القليل والكثير، ولأنَّ كلَّ واحدٍ مِن الفور والتكرار محتاج إلى دليل غير الأمر، خارج عن الأمر، ولا دليل على ذلك عند الجمهور، إلا ما عوّل عليه ابن بركة والقرافي.

(1) انظر: ابن بركة، الجامع، ج 1، ص 88.

(2) انظر: القرافي، شرح تنقيح الفصول، ص 35.

193