مشكاة الأصول حمد بن عبيد بن مسلم السليمي أبو عبيد

مشكاة الأصول

الجزء ١ · صفحة ٤٥

باب في أصول الفقه

واعلم أنَّ الزائد في القرآنِ ما ليس منه، والناقص منه ما هو فيه؛ كافر بإجماع؛ لأنَّه منكر لما جاء الوحي به، ولأنَّه مكذَّبٌ لِما أَخبر به النبي، مع أنَّ القرآن محفوظ مِنَ الزيد والنقص؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ [الحجر). وإنما لم تُكَفِّرْ كلٌّ الطائفتين الشافعية والحنفية الأخرى، حيثُ أنكرت الحنفية البسملة آية من كل سورة، وأثبتت الشافعية ذلك؛ لقوة شبهة الزائد أو نقضه.

من

قال صاحب المنهاج: "فإن قلت: و [كيف]) يحكم بكفرِ مَنْ زادَ أو نقص في القرآنِ مِن غيرِ التواتر، وكذا مَنْ أنكر كونَ بعض المتواتر قرآنًا، وقد وردَتِ الزيادة فيه، كقراءة ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات)، وروي عنه / 8/ أنَّ المعوذتين ليستا قرآنًا، وعن ابن عمر أنَّ (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) كانَ قرآنا ثمَّ نُسخ، وعن عائشة أم المؤمنين أَنَّ مَا أُنزِلَ (خمس رضعات يحرمن) منسوخ بـ (عشر رضعات يحرمن) (1) ثم نُسخا معا، وعن حفصة أنه كان في القرآن (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر)، ولم يُسمع من أحدٍ إكفار هؤلاء مِنَ الصحابة، قلنا: لأنَّ هذه الروايات عنهم أحادية، وقد قطع بعض العلماء بإكذابها، وبعضهم تأوَّلها" (3). (4)

(1) حذفت الكلمة من المخطوط، وهي مثبتة في المنهاج، ولا يستقيم التعبير دونها. (2) جاء في المخطوط بنسختيه (أ) و (ب) تكرار لفظة "خمس" في الموضعين، والصواب ما أثبتناه كما لا يخفى.

(3)

انظر: أحمد بن يحيى المرتضى، منهاج الوصول، ص 50. "النص منقول بشيء من التصرف والتقديم والتأخير". (4) لا

ريب

أن اللفظ القرآني نص مقدس محفوظ من كل تبديل أو تغيير أو نقص أو زيادة، وقد صانه المولى القدير عن كل ذلك، كما تناقلته الأمة كابرا عن كابر، ولذا فإن كل رواية أو حادثة تحمل في مضمونها إنقاصا أو تغييرا لما تواتر به النص المقدس لا يمكن قبولها البتة، وذلك كالرواية المنسوبة إلى ابن مسعود في عدم إثبات المعوذتين من الكتاب، والأغرب من ذلك أن نجد البخاري يذكر في عدة مواضع من جامعه رواية فيها إسقاط قوله "وما خلق الذكر والأنثى " من سورة الليل، جاء في إحدى هذه المرويات: "حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قَدِمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ، فَقَالَ: أَيْكُمْ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: كُلُّنَا، قَالَ: فَأَيْكُمْ أَحْفَظُ؟ فَأَشَارُوا إِلَى عَلْقَمَةَ، قَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَا: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى؟ قَالَ عَلْقَمَةُ: وَالذَّكَرِ والأنثى، قَالَ: «أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ هَكَذَا، وَهَؤُلاءِ يُرِيدُونِي عَلَى أَنْ أَقْرَأَ: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى وَاللَّهِ لَا أُتَابِعُهُمْ". (انظر: البخاري، باب وما خلق الذكر والأنثى، رقم 4944). فهذه المرويات وأمثالها التي تنسب إلى النص القرآني الحذف أو النقص أو التغيير ينبغي أن تواجه بكل حزم فحاشا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن ينسبوا النقص أو التغيير إلى كتاب الله تعالى.

41