مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ٤٧باب في أصول الفقه
وذهب الزمخشري) أنَّ القراءة كلَّها أحاديةٌ، فليزمُ منه أن يكون بعض القرآن أحاديا،
وهو باطل (2).
وأجمعت الأمةُ أنَّ مِنَ الأدلّةِ السمعية ما هو قطعي الدلالة، كالمحكم الذي لا يحتمل التأويل، ومنها / 9/ ظنّيُّ الدلالةِ كالعام لاحتماله.
(3)
ونقض الفخر الرازي (3) هذا الإجماع زاعمًا أنَّه ليس مِنَ الأدلة السمعية ما هو قطعي الدلالة، محتجا أنَّ هذه الأدلّة اللفظية متوقفة على معرفة اللغة والنحو والصرف، ورواية كلّ أحادية) لا تفيد إلا ظنًا)، ورُدَّ قوله بأنَّا لا نسلّمُ أنَّ جميع الألفاظ والأدلّة متوقفة على معرفة ما ذَكرَتَ، وإنما المتوقفُ على ذلك بعضُ ألفاظها، والبعض الآخرُ يُعرف معناه بنفس سماع خطابه الخاص والعام، وأيضا أنَّ رواية اللغة والنحو والصرف لا نسلَّمُ أَنَّ روايتهما أحادية، بل نقولُ: إن رواية كثير منها متواترة كالألفاظ التي لا تقبل التشكيك، مثل السماء والأرض والماء والنار.
وأيضا فإن نقلة تلك العلوم عدد كثير، لا يمكن تواطُو مثلهم على الكذب عادة، فإذَا اتفقت روايتهم في شيء وجبَ أنْ يُعطى حكم التواتر.
(1) محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري جار الله (ت 538 هـ)، من أئمة العلم، له مدونات كثيرة منها: الكشاف، والمقامات، وأساس البلاغة، وغيرها. (انظر: الزركلي، الأعلام، ج 7، ص 178).
(2) لم أجد هذا القول مصرحا به فيما رجعت إليه من كتب جار الله الزمخشري، إلا أن بعض الأصوليين نقل عن عموم المعتزلة القول بأحادية القراءات السبع، كما قال الزركشي في البحر: القراءات عن الأئمة السبعة متواترة عند الأكثرين، منهم إمام الحرمين في البرهان، خلافا لصاحب البديع من الحنفية، فإنه اختار أنها مشهورة. وقال السروجي في باب الصوم من الغاية: القراءات السبع متواترة عند الأئمة الأربعة، وجميع أهل السنة خلافا للمعتزلة فإنها آحاد عندهم»، ومثله ما قاله ابن النجار الحنبلي في شرح الكوكب المنير، ولم يتيسر لي الرجوع إلى كتب المعتزلة لأنقل منها ما يدل على المراد. (انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 209 / ابن النجار الحنبلي شرح الكوكب المنير، ج 2، ص 127). (3) محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري (ت 606 هـ)، الإمام المفسر، له تصانيف كثيرة منها: مفاتيح الغيب وهو تفسير للقرآن الكريم، ومعالم أصول الدين وغيرها. (انظر: الزركلي، الأعلام، ج 6، ص 313).
(4) هكذا كتبت في النسخ المخطوطة، ولعل الصواب وكل رواية أحادية» كما لا يخفى.
(ه) ينظر: الرازي، المحصول، ج 1، ص 390.
43