مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ٥٥باب في أصول الفقه
ومثال ما لا يستلزم إبطال الإجماع مسألة الزوجين والأبوين، ومسألة فسخ النكاح بالعيوب؛ فإنَّه ليس في كل مسألة منهما إلا مخالفة مذهب واحد، لا مخالفة الإجماع حتى يمتنع جوازه، والله تعالى أعلم وأحكم.
11
فصل
في وقوع الإجماع من الصحابة (رضوان الله عليهم)
حكم
أجمع الصحابة -رضوان الله عليهم - في عهد عمر بن الخطاب -رحمه الله - على الفَقْدِ وتحديد مدته، فقيدا كان أو غائبا. والفرقُ بينهما أنَّ الفقيد: مَنْ قصد بلدا معلوما، أو مكانا معينا، أو دخل حربا، أو غيضة الأسود، فلم يُعرف أنه حي أو ميت، أو وقع في بحر أو نهرٍ أو بئر أو هدم / 19 / أو حرق، أو حَمَلَه سيل أو سبع، ولم يُعرف أنه حي أو ميت، فهو فقيد. والغائب: من غاب أو سافر إلى غير موضع معلوم، ولم يُعلم أنَّه حي أو ميت، فهو غائب.
وقضيّة إجماع الصحابة على حُكْمِ الفقدِ وتحديد مدتِه سَبَبُها أَنَّ رجلا منهم اسمه تميم (1) اختطفه الجن ولم يُعلمُ له أثر، ثمَّ بعد زمان رجع حيًّا (2).
الداري
(1) تميم بن أوس بن خارجة: وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - وصحبه وغزا معه وَرَوَى. وصحبه وغزا معه وَرَوَى عَنْهُ وَلَمْ يَزَلْ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى تَحَوَّلَ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. وكان تميم الداري يكنى أبا رقية. (ينظر: ابن سعد، الطبقات الکبري، ج 7، ص 286). (2) لم أقف على من صرح باسم المفقود، والمشهور أن واقعة الفقد الأولى كانت في عهد الفاروق عمر رضي الله عنه، وقد ذكر بعضهم وقوع الإجماع في عهد الصحابة على حكمه، يقول القرطبي الباجي في المنتقى شرح الموطأ: إِنَّ الْإِمَامَ يَضْرِبُ لَهَا أَجَلًا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْ أَمْرِ الَّذِي بِهِ يُعْلَمُ انْقِطَاعُ خَبَرِهِ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَالَ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٌّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ»، وحكى الإجماع غيره، وهو إن ثبت فلا يخرج عن كونه إجماعا سكوتيا.
(ينظر: القرطبي، المنتقى، ج 4، ص 91 / البغدادي، الإشراف على نكت مسائل الخلاف، ج 2، ص 800).