مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ٥٩باب في القياس
باب في القياس
وهو الدليل الرابع للفقه
وأخرناه عن الكتاب والسنة والإجماع لأنَّها أصل له، وهو مستخرج منها، والأصل مقدم على الفرع؛ لأنَّه سابق، والفرعُ لاحق. فالقياس أصل من وجه، فرغ من وجه.
وهو حجّة عند الجمهور بالمعقول والمنقول؛ لأنَّ التأمل واجبٌ؛ لقوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يَتأُولِي الْأَبْصَرِ} [الحشر: 2]. أي: تأمَّلُوا فيما أصابَ مَن قَبْلَكُم مِن المثلات، أي: مِن العقوباتِ بأسباب نقلت عنهم، لتكفُّوا عنها امتثالا واحترازًا عن الجزاء، فالاشتراك في العِلَّة يُوجِبُ الاشتراك في المعلول. وسُمِّي هذا النوع معقولا لأنَّ الوقوف عليه بالتأمل في اللغة، لا بظاهرِ النَّص. والتأمل هو استدلال بالمعقول في حقائقِ اللغة واقع لاستعارة غيرها سائغ شائع، وذلك كالتأمل في الإنسانِ الشُّجاع، لاستعارة اسم الأسد له، والقياس نظير التأمل.
في
قال القطب - رحمه الله - الشامل: والقياس حجةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَتَأَولِي الْأَبْصَرِ﴾ [الحشر: 2]. أي: 2/ 24 / قيسوا الشيء بالشيء. ولعمل كثير من الصحابة به متكرّرًا
شائعا،
مع سكوت الباقين، ولكتابة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى، وإلى شُرَيح أن «قس الأمور، وانظر الأشباه. ولا يمنعنك قضاء قضيته أمس، أن تعاود الحق فيه لنفسك، فإن الرجوع إلى الحقِّ خير من التمادي في الباطل» ()
(1) كتبت بعدها في النسخة (أ) (خير من التمادي) وهو تكرار في غير محله كما لا يخفى. (2) كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى رواه الدارقطني في سننه رقم (4471)، ورواه البيهقي في السنن الصغرى باب ما على القاضي من الخصوم والشهود من طريق سعيد بن أبي بردة رقم (3529)، وقد شرح بعض أهل العلم كتاب عمر في رسالة مستقلة مثل صنيع الشيخ الفقيد سالم بن حمد الحارثي في كتابه «هدى الفاروق».
(3) انظر القطب، شامل الأصل والفرع، ج 1، ص 10.
55