مشكاة الأصول حمد بن عبيد بن مسلم السليمي أبو عبيد

مشكاة الأصول

الجزء ١ · صفحة ٦٠

مشكاة الأمل

قال القطب - رحمه الله -: "وليس قول ابن عبّاس: «مَنْ حَمَلَ دِينَه على القياسِ لم يَزَلِ الدهر في التباس»، وقولُ عمر بن الخطاب - رحمه الله -: «إيَّاكم وأصحاب القياس، فإنَّ أصحابه أعداء السنن أعيتهم الأحاديثُ أن يَعُوها، فاستحيوا أن يقولُوا إذا سُئِلوا: لا نعلم، فقاسوا برأيهم. فإيّاكم وإيّاهم منعا للقياس مطلقا، بل منعا للقياس مع ورودِ الأحاديث، جاهلا بها. أما من يبذل مجهوده، وإذا لم يجد نصا قاس؛ فلا بأسَ عليه. وقول عمر: أعيتهم الأحاديثُ؛ مشيرًا إلى ذلك ((1).

ومن المنقول قوله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل لما وجهه إلى اليمن قال له: «بم تقضي؟ قال: بما في كتاب الله. قال: / 25/ فإن لم تجد؟ قال: بما في سنَّةِ رسولِ اللهِ. قال: فإن لم تجد. قال: أجتهد فيه برأيي. فقال -عليه الصلاة والسلام: الحمد لله الذي وفق رسول رسولِهِ لِما يَرْضَى به رسوله (3).

ولقوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يَتأُولِي الْأَبْصَرِ} [الحشر: 2]. والاعتبار رد الشيء إلى نظيره.

وأنكر قوم القياس، وعملوا بنظم الكتاب فقط، وأعرضوا عن اعتبار فحواه، وإخراج الدرر المكنونة من بحارِ معناه، وجهلُوا أنَّ للقرآن ظَهْرًا وبطنا، ومفصَّلا ومقطعًا، وأنَّ لكلّ واحدٍ مطلعا. ووفق الله العلماء الراسخين العارفين العالمين بدقائق التأويل لكشف قناع الاستتار عنْ جَمالِ معاني التنزيل (3).

واحتج المنكرون للقياس بالعقل والنقل بأنَّه لا عبرة للعقل في شيء من الشرعيَّات، والقياس عقلي. وقوله تعالى: وَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَب تبينا لكل شَيْءٍ [النحل: 89].

(1) انظر: القطب، شامل الأصل والفرع، ج 1، ص 10. (2) رواه الترمذي من طريق الحارث بن عمرو عن رجال من أصحاب معاذ باب ما جاء في القضاء كيف يقضي رقم (1327)، ورواه أبو داود باب اجتهاد الرأي في القضاء رقم (3592)، وغيرهما.

(3) العبارة الذي ساقها المصنف هنا لصدر الشريعة عبيد الله البخاري صاحب كتابي التنقيح وشرحه التوضيح في حل غوامض التنقيح، وقد شرحه التفتازاني في التلويح». (ينظر: التفتازاني التلويح في كشف دقائق التنقيح، ج 2، ص 213).