مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ٨٨مشكاة الأمل
ولكل واحد من الصريح والإيماء مراتب. فمراتب الصريح أقواها ما صُرِّحَ فيه بالعلية، كأن يُذكر بلفظ لا يُستعمل في غير العلة، كأن يقول: العلة فيه كذا، أو لأجل كذا، نحو قوله تعالى: ا ركن لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ} [الحشر: 7]. ومنه ما ورد فيه حرف علة، مثل: كان كذا لكذا. ومنه ما دخل فيه الفاء في كلام الشارع، فإما أن تدخل في الوصف، نحو قوله صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد: زملُوهم في ثيابهم بكلومهم ودمائهم، فإنَّهم يُحشرون وأوداجهم تشخبُ دَما). فالفاءُ دخلت هنا في كلام الشارع، وهو قوله: «فإنّهم». وإما أن تدخل في الحكم، نحو قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]. فالفاء هنا دخلت في الحكم، وهو القطع. وظهور الحكمة منه أنَّ الفاء للترتيب، والباعث مقدَّمُ عقلا، متأخُرُ في الخارج، فجازَ ملاحظة الأمرين، لدخول الفاء على كلّ واحد منهما. وهذه المرتبة دون ما قبلها؛ لأنَّ الحقيقة الفاء للترتيب
في الأصل، فدلالتها على العلة استدلالية. ومنه ما دخلَتْ فيه الفاء / 60 / في لفظ الراوي.
ومن مراتب الإيماء نحو قوله: (لا يقضي القاضي وهو غضبان»). فالغضب علةٌ مانعة من صحة القضاء، وهو وصف مناسب له؛ لأنَّ الغضبَ مُشغل للقلب. ونحو قوله: «لا نولّي لعملنا من يطلبه). فالطلب علة مانعة للولاية، وهو وصفٌ مناسب له؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ أَن يكونَ طَلَبَها لغرض دنيوي ونحو قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهَا أَوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: 282]. فالسفه عله في صحة نيابة الولي عنه. ومنه ما يُذكرُ لمدح أو ذمّ، وذلك نحو: أكرم العالم، وأهن الجاهل. فالعلم والجهل علتان للحكم المقارن بهما، وهو الإكرام مع العلم، والإهانة مع الجهل. ومنه قوله: «لَعَنَ الله اليهود، اتَّخذُوا قبور أنبيائهم مساجد). فقوله: «اتَّخذُوا قبور أنبيائهم مساجد»
(4)
(1) تقدم تخريجه. (2) رواه الترمذي من طريق عبدالرحمن بن أبي بكرة في بَابُ مَا جَاءَ لَا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان رقم (1334)، ورواه أبو داود باب القاضي يقضي وهو غضبان رقم (3589)، ورواه غيرهما.
(3) رواه مسلم بلفظ قريب في باب بَابُ النَّهْيِ عَنْ طَلَبِ الْإِمَارَةِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا من طريق أبي موسى رقم (1733)، ورواه ابن حبان من طريق أبي موسى ذِكْرُ الزَّجْرِ عَنْ سُؤَالِ الْمَرْهِ الْإِمَارَةَ لِئَلَّا يُوكُلَّ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ سَائِلًا لها رقم (4481)، ورواه غيرهما. (4) رواه البخاري في بَابُ مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا من طريق عائشة رقم (1390)، ورواه مسلم في بَابُ النَّهْيِ عَنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، عَلَى الْقُبُورِ وَاتِّخَاذِ الصُّورِ فِيهَا وَالنَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ من طريق أبي هريرة رقم (530)، وغيرهما.
??