مشكاة الأصول
الجزء ١ · صفحة ٩٧باب حكم العلة
وعرّفه أبو بكر (1): " أنَّه الوصفُ الذي لا يناسب لذاته، لكنَّه يستلزم المناسب لذاته (2). ونقل القرافي عن الباقلاني أنَّ مثال الشبه كالخلّ مائع لا تبنى القنطرة على جنسه، فلا تزالُ به النجاسة كالدهن
(3)
فقولنا: "لا تُبنى القنطرة على جنسه" ليس مناسبًا في ذاته، لكن مستلزم للمناسب؛ لأن العادة لا تبنى القنطرة على القليل، بل على الكثير، كالأنهار، والعلة مناسبة لعدم مشـ م مشروعية المتصف بها من المائعات للطهارة العامة، فالشرعُ يقتضي أن تكون أسباب العام عامة. أما تكليف الكلِّ بما لا يجده إلا البعض فهو بعيد عن القواعد، فصار قولنا "لا تُبنى القنطرة إلا على جنسه" ليس مناسبا، لكنَّه مستلزم للمناسب. مثال ذلك: العبد المقول فيه كونه مملوكًا، فالملكُ فيه حكم شرعي. وكونه آدميا هو وصف حقيقي لا حكم شرعي، وتحصل فيه الشبهان. فمن غلبَ الشَّبه الشرعي، وهو كونه مملوكًا؛ أوجب فيه القيمة بالغا ما بلغت. ومَن غلب الشبه الحقيقي، وهو كونه آدميا؛ لم / 74 / يوجب فيه الزيادة على دية الحرّ.
وقال بعضُ الأصوليين: إنَّ العبدَ يُشبه الحرَّ مِن حيث كونه مكلفا بالأوامر الشرعية، مأمورًا منهيا حاملا للأمانة كالحرّ، وأشبة القيميّات من حيثُ كونه مملوكًا كالمال، متصرفا فيه، يباع ويُشترى، ويوهبُ وَيُرهن، ويودع ويضمنُ، ويوقف ويؤجر، ويوصى به، فمن غلب الشبه الأوّلَ قال: لم يجاوز دية الحرّ بالغا ما بلغتْ ومَن عَلَّبَ الشَّبه الثاني أوجب فيه قيمته بالغا ما بلغت. فرجح الشافعي وبعض أصحابنا الشبة الثاني، واختار بعضُهم وجمهور المخالفين الشبه الأول.
(1) محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر الباقلاني، أبو بكر (ت 403 هـ): قاض من كبار علماء الكلام. انتهت اليه الرئاسة في مذهب الأشاعرة ولد في البصرة، وسكن بغداد فتوفي فيها. كان جيد الاستنباط، سريع الجواب. وجهه عضد الدولة سفيرا عنه إلى ملك الروم، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها. من كتبه إعجاز القرآن والإنصاف وغيرها. (انظر: الزركلي، الأعلام، ج 6، ص 176).
(2) انظر: القرافي، شرح تنقيح الفصول، ص 394. (3) انظر: القرافي، شرح تنقيح الفصول، ص 205.
(4) هكذا كتبت اللفظة في النسخة (أ)، ولعل الصواب رد الضمير إلى كلام القرافي بلفظ فقوله».
93