كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ١ · صفحة ٢٣٣… والظاهر أن ّ كونها لرفع ما يتوهّم أغلبي لا لازم، فقد تكون لمجرّد الإلحاق كما تكون، بل تارة لمجرّد الانتقال، وكثير من المواضع في القرآن لا يظهر فيه رفع التوهّم بـ<<لكن >>إلا بوجه خفيّ، ألا ترى أنّ نفي الأبوّة في قوله تعالى ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾(1) لا يوهم نفي الرسالة لعدم الاتّصال بينهما عند المخاطَب، فكيف يستدرك ثبوتها ؟ فقال: يسرّ فيه أنّ <<لكن>> لمجرد قصر لقلب من غير استدراك، والمشركون يعتقدون فيه الأبوّة ونفي الرسالة، فغلب عليهم اعتقادهم، ولعلّ مرادهم بالأبوّة مطلق التعظيم. ثم إنّك قد علمت أنّ النكت لا يجب اختصاصها فلا يشكل أن قولك: " ما جاء إلاّ زيد " أو " إنّما جاء زيد " يفيد ما أفاد " جاء زيد لا عمرو " أو " ما جاء عمرو لكن زيد " ويفيده <<لكن>> التي ليست بعاطفة مثل التي قرنت بـ(الواو).
ومن العطف على المسند إليه بـ(الفاء) قولك: " جاء الآكل فالشارب فالنائم " نزلت تعدّد الصفة منزلة الموصوف وهو في منزلة عطف المسند؛ كأنّه قيل: " جاء الذي يأكل فيشرب فينام " بعطف الجمل، لكن اللاّم صارت مع دخولها كالكلمة الواحدة لشدّة الامتزاج، فدخل عاطف الصلة على اللاّم كما يدخل إعراب اللاّم على الصلة، وليس كما قيل: إنّه لو قدرت الموصوف هكذا " جاء الرجل الآكل فالشارب فالنائم " تكفي.
ثم اعلم أنّ أحوال المسند إليه لا تختصّ به، بل تجيء أيضا في الفضلات وفي المسند، لكن أرادوا بيانها فاقتصروا في البيان لها على المسند إليه؛ لأنّه أعظم، ولأنّه أنسب بذكر أحوال الإسناد، ثم إنّه لا يخفى أنّ قولك: " جاء زيد لا عمرو “ اختصار من قولك: " جاء زيد ولم يجئ عمرو" وهكذا.
(1) - الأحزاب جزء من 40 – الآية الكريمة { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ
النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا }