تخليص العاني من ربقة جهل المعاني امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري

الجزء ١ · صفحة ٢٧٤

وقوله هذا إشارة إلى حكم سابق غير محسّ وهو: كون العاقل محروما والجاهل مرزقا؛ فالقياس الإضمار لتقدّم ذكره مع كونه غير محسّ، والإشارة حقيقة في المحسّ ولكن عدل إليها لكمال العناية بتمييز ذلك الحكم، ليري السامعيّن أنّ هذا الشيء المتميّز المعيّن هو الذي له الحكم العجيب، وهو جعل الأوهامَ حائرةً والعالمَ النحريرَ زنديقاً، فالحكم البديع هو الذي أثبت للمسند إليه المعبّر عنه باسم الإشارة، وهو: <<جعل الأوهام حائرة وتصيير العالم النحرير زنديقا>> لا ما قال بعض: إن الحكم البديع كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا، وأنّ معنى كونه بديعا أنّه ضد ما كان ينبغي. ومثله قول الشاعر:[ من البسيط ]

كم من قوي قوي في تقلّبه … مهذّب الرأي عنه الرزق منحرف

وكم ضعيف ضعيف في تقلبه(1) … كأنّه من خليج البحر يغترف

هذا دليل على أنّ الإله له … في الخلق سر خفي ليس ينكشف

والله أعلم.

ويوضع اسم الإشارة موضع الضمير للتهكّم بالسامع كما إذا كان السامع فاقد البصر أو لا يكون في حضرة المتكلّم مشار إليه محسّ بل فيها غير محسّ أو لم يكن فيها أصلا بل غائب، كما إذا قال أعمى:" هل قام عمرو " فقلت: " قام هذا " مشيرا لغائب أو حاضر لم يحسّه ببذنه ولا بسمعه.

ويوضع أيضا موضعه للنداء على كمال بلادة السامع بأنّه لا يدرك غير المحسّ، كقوله:[ أي قول الفرزدق ]: [ من الطويل ]

أُوْلَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ … إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ الْمَجَامِعُ

… أي: هم آبائي، وكما إذا قيل لك: " يا ابن اللئيم"، فقلت له: " زيد فقيه البلد وذلك كريمه " تشير باسم الإشارة إلى <<زيد>> وهو أبوك، أو للنداء على كمال فطنته، أو التنبيه على كمال حدّة بصره، أو لادّعاء كمال ظهوره.

(1) - كذا في الأصل، والصواب << كم من ضعيف ضعيف في تقلّبه>> ليستقيم الوزن

٢٧٤ / ٦٨٨