كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦فقال الحجاج: اطرحوه فلما طرحوه، قال: ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةُ أُخْرَى)(1) فأعجب منه وعفا عنه . والمراد<< بتسويد وجهه>>: إنضاجه، و<<بقطع عنقه>>: قطعه، و<<بدمه>>: الخمر المعمولة منه، ومع ذلك أراد التلويح للحجّاج، و<<الحديد>> في كلام الحجّاج هو: الحديد الذي تصنع منه الموسَى والسيف وغيرهما كالقيود.وحمله القبعثرى على ضدّ البليد من الحدّة، وأنّ الفرس النشيط الكريم حديد، بمعنى: أنّه منفعل تحت الفارس شديد الانبعاث، وضدّه الفرس البليد؛ كأنّه بلد في مكانه، أي: أقام فيه، فذلك حمل على غير مراد الحجّاج ثان بعد الحمل بعد الأوّل، إذ حمل أوّلا قوله <<الأدهم>> على الفرس الأدهم، وهو الذي ذهب بياضه حتى غلب على سواده بأن ينقلب البياض سوادا كما ينقلب الشعر الضعيف من حمرة إلى سواد لحدوث القوة وكما ينعكس الشعر الأسود أبيض، أو ذهب بياضه في رأي العين لقلّته، وإنّما أراد الحجّاج بـ<<الأدهم>> الحديد الذي يعمل منه القيد، ومراده: أن يفيده بالحديد، وضمّ القبعثرى <<الأشهب>> إلى <<الأدهم>> ليبيّن ما أراد من حمل كلام الحجّاج، وهو الفرس الأبيض - قال بعض قومنا: إن القبعثرى رأس من رؤساء العرب وفصحائهم وأنه كان من الخوارج الذين خرجوا عن علي - وإنّما صحّ أن يقول لأحملّن الأدهم عليك مع أنّ القيد هو الذي يوضع على الرِّجْل وليست الرِّجْل هي التي توضع عليه، لأنّ هذا الاستعمال أمر وضعيّ؛ يقال حمل على الأدهم أي قيد، ويحتمل أن يكون من القلب، أوشبه القيد بالمركّب على طريق الاستعارة بالكناية والحمل تخييل والجامع مطلق التمكن، وحاصل حمل كلام الحجاج على ذلك أنه لوح إلى أن السلطان أن يوسع العطاء لا أن يقيد بالحديد، والله أعلم.
باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر بأن
يقابل المتكلم سائله بجواب ليس مطابقا لسؤاله
(1) - طه 55