تخليص العاني من ربقة جهل المعاني امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري

الجزء ١ · صفحة ٤٠٢

… فليس حذف مفعول فعل المشيئة لأنّه مذكور، وهو أنّ <<أبكي>> المتبادر من البكاء الحقيقي؛ لأنّه أراد أن يقول: " أفناني النحول فلم يبق منّي غير خواطر تجول في حتى إنّي لو شئت البكاء المعتاد لم يتيسّر، إذ لم يبق في عيني دمع، بل يتيسّر الفكر فهو بدل الدمع، فالمشيئة معلّقة ببكاء مطلق غير معتبر فيه تعلّقه بمفعول، أو ببكاء الدمع فلا يصحّ بيانه بالبكاء الثاني، إذ لا يقال: لو شئت أن تعطي درهما أعطيت درهمين، إلاّ أنّه قد يقال ذلك لداع، كالمبالغة في الإعطاء إذا قصدت في المثال بأنّ نفسه لا تطاوع إلى درهم واحد، ولو حذف الأوّل لتوهّم أنّ المراد " لو شئت أن تعطي درهمين " وقال صدر الأفاضل تلميذ الزمخشري في كتاب له سماه: (ضرام السقط شرح لكتاب يسمى سقط الزند): حاصله أنّ مفعول <<أبكي>> محذوف على التنازع أو هو تفكّر آخر البيت فإنّه مفعول لـ<<بكيت>> أو <<لأبكي>> وإن مفعول المشيئة لم يحذف لأنّ تعلّق المشيئة ببكاء التفكر غريب يعني أنّه لمّا كان معمول المشيئة ممّا يكون تعلّق معمولها به غريبا، عدّ كأنّه معمول المشيئة، إذ كان سبب الغرابة، فذكر أو جعل كالمذكور، لأنّ المتنازع فيه إن كان له فظاهر، وإن كان لبكيت فقد اكتفى لفظان لتوجه معناه إليه. وقد قيل: بجواز حذف الفضلة من الثاني المهمل عن المتنازعين، وحاصل ذلك أنّ تعلّق المشيئة بكاء التفكّر غريب، كتعلّقها ببكاء الدم، ويجوز أن يكون المعنى: قد صرت بحيث أقدر على بكاء التفكّر، كما يقول قدرت على ما لم يقدر عليه غيري، لا أن يكون المعنى: لو أردت بكاء التفكّر لفعلت، لأنّ قوله: << لم يبق منّي الشوق غير تفكّري>> يأبى هذا المعنى عند التأمّل الصادق؛ لأنّ القدرة على بكاء التفكر لا تتوقف على أن لا يبقى فيه غير التفكّر.

٤٠٢ / ٦٨٨