كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ١ · صفحة ٤٥٩ولا يخفى أنّ الترجّي طلب، وقيل: ليس طلبا، ولكن ترتّب الحصول، ولا بدّ من إمكان ما يترجّى، فغير الممكن لا يترجّى، وكذا الأمر والنهي والاستفهام والنداء؛ لا تستعمل إلاّ فيما كان ممكنا، ولو من وجه، فأمر الله جلّ وعلا بما سبق في علمه أنّه لا يكون، ونهيه عما سبق في علمه أنّه يكون أمر بممكن الوقوع، ونهى عن ممكن عدم الوقوع، وذلك أنّ المأمور في ذلك مأمور بما جعل الله جوارحه وقلبه قوية، وكذا المنهيّ في ذلك منهيّ عما جعله قويّا على الانتهاء عنه. وأمّا المستحيل الذي لا قوّة للمكلّف عليه، فالحقّ أنّ الأمر به أو النهي عنه غير واقع من الله ولا جائز، إلاّ إن كان يؤول إلى جائز، كالأمر ببلع جبل لما قرب منه شيء أمر به، عاد لقمة كعسل، ولا تقول: " لعل الشباب يعود "، فإنّ عوده غير ممكن عادة فهو محال، عادة معنى قوة الشبوبية بالجنس أو النوع، وأمّا عود الشبوبية التي كانت بعينها ثم ذهبت، أو عود السن المعيّن، فإنّ ذلك محال عادة وعقلا. وإذا كان المتمنّى ممكنا، يجب أن يكون طمع أو توقّع، ولو كان أحدهما لكان الكلام ترجّيا؛ فيؤتى بأداته، كـ(لعل) و(عسى) و(اخلولق)، والتوقّع أبلغ من الطمع. ولعل له وعسى للطمع. وظهر لك من ذلك أنّ التمنّي والترجّي متباينان، وإن قيل الترجّي: ليس طلبا، فالتباين أظهر، والموضوع للتمنّي " ليت الشباب يعود ".