كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ٢ · صفحة ١٢٢وما ذكرت من الاعتدال والإبهام مختلفان مفهوما متلازمان صدقا، وقيل إيهام الجمع بين المتنافيين الإجمال والتفصيل. وإيهام الجمع بين الإجمال والتفصيل غير نفس الإجمال والتفصيل، ولا يخفى أنّ إيهام الجمع بين المتنافيين من الأمور المستغربة التي تستلذّها النفس فيكون ذلك من البديع بقصد مجرد الظرافة والحسن، ومن المعاني باقتضاء المقام مزيد التأكيد في إمالة قلب السامع وإنّما قلت: إنّه يوهم الجمع بين المتنافيين لأنّ الجمع بينهما لم يتحقّق لأنّ حقيقة الجمع بينهما أن يصدق على ذات واحدة وصفان يمتنع اجتماعهما على شيء واحد في زمان واحد من جهة واحدة وهو محال، والجهة في ذلك لم تتّحد ويكون الإطناب بالإيضاح بعد الإبهام على التوشيع ويسمّى توشيعا، وهو أن يؤتى في عجز الكلام وهو الغالب أو في أوّله أو وسطه بمثنى أو جمع مفسّر بما تعاطف، قال عصام الدين أو بلا تعاطف، ومثاله بدون تعاطف " يشيب ابن آدم وتشبّ فيه خصلتان: إحداهما الحرص والأخرى طول الأمل " أو " وهما(1) الحرص وطول الأمل " ، وغير عصام الدين لا يسمّي ذلك بلا عطف توشيعا ، ومثاله بالعطف " يشيب ابن آدم وتشبّ فيه خصلتان الحرص وطول الأمل " ومعنى تشِبُّ ( بكسر الشين وتشديد الباء ) تقوى وتنمو كما يكون الشيء في زمان الشباب ، ولفظ الحديث ( يهرم ابن آدم ويشيب معه اثنان الحصر على المال والحرص على العمر ) ومعنى يشيب أنّه يصحبانه في شيبه لا يزولان ، وفي <<جامع>> السيوطي يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان : حب المال وطول العمر ، أي وحب طول العمر وكقوله : [ من الطويل ]
سَقَتْنِيَ فِي لَيْلٍ شَبِيهٍ بِشَعْرِهَا … شَبِيهَةُ خَذَّيْهَا بِغَيْرِ رَقِيبٍ
فَمَا زِلْتُ فِي لَيْلَيْنِ شَعْرٍ وَظُلْمَةٍ … وَشَمْسَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَوَجْهِ حَبِيبٍ
(1) - في ( ب ) وهْم الحرص