بيان الشرع محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء السابع والستون والثامن والستون

الجزء ٥١ · صفحة ١٨٨

وكان أهل النفاق بين أظهرهم مأمورين غير مالكين وذلك أن أمور الدنيا كلها إنما هي على ضربين: طاعة الله وما شرع لعباده مما هو لهم عون على تلك الطاعة، أو طاعة إبليس بالشرك أو النفاق، فهذه منزلتان وليس بينهما منزلة ثالثة كمنزلة الليل والنهار والمحيا والممات.

فإذا ظهر أهل العد لم يستطع أحد أن يعصى الله ويطيع الشيطان بين أظهرهم علانية إلا أخذوا على يده أخذا شديدا ومنعوه من ذلك منعا يكون ذلك نكالا له وعظه لغيره

وكذلك وصفهم الله تبارك وتعالى، فقال: "الذين إن مكانهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور"

•

فهذه سيرة المسلمين إذا ظهروا لم يكن معهم ولا بين أظهرهم إلا مستجيبا لله ورسوله ومطيعا لهما منتهيا إلى ما يأمروه من طاعة الله، أو مخالفا لذلك، منابذاً بالحرب على سواء غير أمر عندهم ولا بين أظهرهم فهكذا صورة الظهور وسيرة المسلمين به إلى يوم القيامة

•

وذلك أن الحق والباطل لا يجتمعان أبدا في درجة واحدة، لأن أهل الحق إذا ظهروا وهن الباطل واستخفى أهله به. وذلك هو الكتمان نفسه، وإنما معنى الظهور في ذات نفسه ظهور العدل والحق وأهلهما حكمهم هو الغالب فيكون الباطل مستخفيا وأهله به متمكنين له مدلين عليه غير مظلومين في ذلك لأن من رغب عن طاعة الله، وأراد أن يطيع الشيطان علانية كان للذل أهلا وللهوان غرضا وللمعتبرين عظة. وللمتفكرين مدخرا. وإذا عن أهل الباطل وهن الحق واستخفى أهله واكتتموا به وذلك هو الكتمان نفسه، لأنه إذا

180

١٦٬٠٧٣ / ١٧٬١٧٥ الأصل المصوَّر ٧ م.ب.