بيان الشرع محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٢٦

-- 226 -

لم يجز أن يتأخر البيان عن وقت الخطاب، تمام فصل الكلام، لأن تأخيره يوجب اعتقاد غير ما ظهر، لأنه إذا خاطب بظاهر الإطلاق والعموم وهو يريد التقييد والخصوص، ثم لم يقرنه بدلالة تبين عنه، كان قد ألزم عباده أن يعتقدوا خلاف ما أراده منهم. فتعالى الله عن ذلك

علوا كبيراً

فالخطاب إذا ورد فلعمومه صيغة، كما أن للخصوص صيغة، وللأمر صيغة وللنهى صيغة، ولكل وجه من وجوه الخطاب صيغة يعرف بها حكمه، ويدل المخاطب بها على معناه، ولنا يجهل ذلك أو شيئا منه أحد من أهل اللسان والمعرفة به، من أهل اللغة و البيان.

غير أن العرب لسعة لغتهم وكثرة معانى كلامها، تعبر عن الخصوص! بلفظ العموم، وعن العدوم بلفظ الخصوص، وعن الحقيقة بلفظ المجاز، وعن المجاز بلفظ الحقيقة، وهذا معروف بينهم وعليه أدلة موضوعة من مقدمة الكلام وصلته، وبالإشارة المعهودة عندهم،

، ومنسوب عندهم

وعلى ما يتعارفونه بينهم، فما فرق به الدليل نقل عن موضعه وصيغته

6

الخطاب

وعلى هذا النحو جرت المخاطبة من الله، تبارك وتعالى، في محكم كتابه. خاطبهم باللسان العربي المبين، فعلى هذا يجب أن يعتبر إذا ورد من الله، جل ذكره، أو من رسوله، أو من رسوله، صلى الله عليه وسلم، فما ورد بلفظ العموم أجرى على عمومه، ما له يخصه دليل المخصوص وما جاء بلفظ الخصوص أوقف على خصوصه، ما لم يطلقه دليل العموم. وفى هذا المقدار كفاية لمن أراد الله رشاده. وبالله نستهدى وعليه نتوكل

فالخطاب إنما يرد من الله، عز وجل، بلغة من يخاطبهم، لأنه مريد لإفهامهم اقوله تعالى: (وما أرسلمْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ