بيان الشرع محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٤٦

-

146

-

وقال بعضهم: وما كان الله فهو دعاء، كأنه يذهب الى أن يسأل الله عز وجل أن يفعله، فهو وان كان مسألة، فهو دعاء أيضا، وأن مسألة الله عز وجل تخص بهذه الصفة، وتقدر بها، وهذا وجه شائع ألا ترى أنك تقول: دعوت الله بكذا، غير قولك: دعوت فلانا الى كذا.

وأما مسألة الله للعبد، فهو عندى، والله أعلم، أنها للترفق والاستعطاف، والدلالة على موقع الحض مثل قوله تعالى: (ولا يسألكم أموالكم ان يسألكموها فيحفكم تبخلوا) وقوله تعالى: (ان تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم).

ودعاء العبد ربه، فهى مسألة الخاضع المستكين، ومن هذا ونحوه لم يجز أن يدعو داع فيقول: يا رب لا تجور على ولا تظلمني، وان كان معلوما أن الله لا يفعل شيئا من ذلك، لأن هذا اللفظ وما شاكله يخرج عن حد خطاب التعظيم والهيبة والاجلال

•

فمن أجل ذلك لم يجز هذا وشبهه في دعاء الله تعالى، وجاز أن يقال: (ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا) وان كان من حكم الله أنه لا يحمل أحدا مالا طاقة له به اذا كان هذا كلاما يدل على الخضوع والاستكانة، وعلى الانقياد وليس من الأول في شيء

وكل شيء سأله السائل ربه أن يفعله، فهو عندى على ضربين: أحدهما شيء من حكم الله أن يفعله دعا به الداعى أو لم يدع به، وشيء من حكم الله ألا يفعله الا بعد دعاء، فأما المعنى الذى من حكمه أن يفعله دعابة الداعى أو لم يدع به، فكالذى حكاه الله عز وجل من دعاء ملائكته وسؤالهم اياه، واستغفارهم للمؤمنين (قالوا ربنا وسعت كل شيء رحمة

وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم)

وقد علمنا أن الله تعالى يدخل المؤمنين الجنة، وأنه يغفر للذين تابوا، دعا بذلك داع أم لم يدع.